مُشعِلو الحرائق

29 مايو 2020
الصورة
(من إخراج بيتر رافالتس لمسرحية "بيدرمن ومُشعلو الحرائق")

ما يضيفه ماكس فريش في مسرحيته التي أعطاها عنوان "بيدرمن ومُشعلو الحرائق" هو القول إنه كان من الصعب على مُشعلي الحرائق أن ينفّذوا هذه الجريمة لولا صمت وتواطؤ صاحب البيت؛ إذ إنَّ بيدرمن، وهو صاحب البيت، يتعامى طوال الوقت عن رؤية الحقيقة، بل إنه يصرّ على أن مُشعلَي الحرائق اللذين يستضيفهما (أحدهما ادّعى أنه بائع جوّال، ثم قال إنه مصارع، والآخر ادّعى أنه من رجال التأمين على الحرائق)، هما صديقاه، على الرغم من أنه بات يعرف أنهما قد أدخلا براميل البنزين إلى بيته، ويكذب على الشرطة حين يأتون للسؤال عن صحة وجود مُشعلي الحرائق، أو عن المواد المخزَّنة في البراميل، قائلاً لهم إنها تحتوي على دهان للشعر الذي يُتاجر به في عمله.

أمّا ذريعته فهي أنه يخشى بطشهما، ولهذا فإنه يفضّل أن يتملّقهما ويكسب رضاهما، فيُقدّم لهما العشاء والبراءة من تهمة إشعال الحرائق، مدّعياً أمام زوجته أن معاداتهما قد تُفضي إلى قيامهما بحرق البيت. وشخصية "بيدرمن" تخلو من المبادئ والأخلاق، وهو يعرف أن الحرائق تبدأ بالطريقة ذاتها التي بدأت بها من قبل، ولكنه يُفضّل الصمت والسكوت عن حضور المُشعلين، إلى أن تكون الحصّة الأخيرة للنار هي بيته بالذات.

وعلى الرغم من أنَّ عنوانَ المسرحية ومضمونَها يشيران إلى بيدرمن وموقفه من تدخُّل مُشعِلي الحرائق في بلدته وفي بيته، فإنَّ مُعظَم التغطيات العربية التي تحدّثت عن المسرحية، حين مُثّلت على المسرح أو في الإذاعة، تُلغي اسم بيدرمن، وتقتصر في العرض على الاسم المعطوف "مشعلو الحرائق". يعكس هذا وضعاً فكرياً ونفسياً شبهَ عام لدى الناقد العربي أو الصحافي العربي، يشير إلى إحساسه بأن اشتعال الحرائق في منطقتنا هو الأساس الخطير الذي يُهدّد الكيان الإنساني والوطني في كلّ مكان.

ثمّة من استعار العنوان، في السنوات الأخيرة، أيضاً كي يشير إلى التدخُّل الأجنبي الذي شمل معظم الدول الفاعلة في الإقليم ومعظم الدول الفاعلة في العالم من إيران إلى تركيا إلى روسيا إلى الولايات المتّحدة الأميركية إلى فرنسا وبريطانيا وغيرها، وكلّ تلك التدخّلات كانت تمثيلاً حيّاً لحالتَي مُشعِلي الحرائق الذين أشار إليهم ماكس فريش في مسرحيته.

تلتهم النار المزروعات والأشجار منذ بداية هذا الصيف في سورية، وقد سبق أن التهمت آلاف الهكتارات من المحاصيل الزراعية قبل أن تُحصَد في العام الفائت أيضاً، وقد أُضيفت حرائق الغابات إلى حرائق المزروعات هذه السنة. لا يوضع المزارعون وحدهم تحت خطر الإفلاس، بل يُهدَّد الناس جميعهم بالحرمان من الغذاء.

ويميل معظم من كتبوا عن الحرائق إلى القول إنها "بفعل فاعل". ولدى كلّ من شارك في الكتابة عن الحرائق يقينٌ بأنه يعرف مُشعلي الحرائق، غير أنه مع ذلك يظلّ غائباً عن القول الصريح، كما أن الدوافع تظلّ مجهولة، وخاضعةً للتكهّنات. ويبدو الناس جميعاً مثل شخصية بيدرمن: إنه يعلم كل شيء، لكنه لا يعرف شيئاً.


* روائي من سورية

تعليق: