مُتطلَّبات إعادة الإعمار في سورية

10 سبتمبر 2018
الصورة
دمار كبير خلفته الحرب بمختلف أنحاء البلاد (فرانس برس)
+ الخط -

خلَّفت الحرب في سورية آثاراً مدمِّرة وخلقت فئات جديدة معرّضة للمعاناة كالعاطلين عن العمل، المعوّقين، المشرّدين، الأطفال المولودين في الصراع، والأسر التي ترأسها نساء، واتّخذت تلك الحرب طابع الحروب بالوكالة، حيث تحصل مختلف الفصائل المعارضة على مساعدات مالية وأسلحة كبيرة من جهات وبلدان أجنبية، ولطالما أثبتت الحروب بالوكالة طول فترتها مقارنة بالحروب الأخرى، لسبب بسيط هو أنّ استمرار تمويل الفصائل من شأنه أن يعيق كل الجهود المبذولة للتفاوض والتَّوصُّل إلى تسوية سلمية. 

لذلك تعتبر عملية السلام وإعادة الإعمار في سورية تحدّياً اقتصادياً هائلاً، وهناك حاجة إلى موارد كبيرة لإعادة البناء في مرحلة ما بعد الصراع، نتيجة لحجم الدمار والنمو الاقتصادي المنفلت.

خسائر الحرب الأهلية

تعتبر الحرب في سورية من أسوأ الكوارث الإنسانية والاقتصادية وكانت لها تداعيات كبيرة على بقية العالم، فقد مزَّقت سبع سنوات من الحرب في البلاد النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، وهناك أضرار كبيرة لحقت بالاقتصاد ككل والبنية التحتية ورأس المال المادي وكل جوانب الحياة في سورية.

وقد قام البنك الدولي بتطوير آلة حاسبة على الإنترنت تُمكِّن المستخدم من حساب وتوقُّع تكاليف الحرب السورية، اعتباراً من أوائل عام 2016 في ست مدن: حلب، درعا، حماة، حمص، إدلب، واللاذقية. وأشار تقرير البنك الصادر في يوليو 2017 إلى أنّ إجمالي خسائر الاقتصاد بلغ نحو 226 مليار دولار، وتعد حلب وحمص وحماة هي أكثر المدن تضرراً.


وقدَّر المركز السوري لبحوث السياسات (SCPR) عدد القتلى في سورية بنحو 470 ألفا إلى جانب 1.1 مليون مصاب. كما قدَّر البنك الدولي وجود 5 ملايين لاجئ و6 ملايين نازح. كما انخفض عدد السكان من 21.8 مليونا في 2010 إلى 18.5 مليونا في العام 2015، وبلغت نسبة الفقر 85.2% في نفس العام، وارتفع معدل البطالة إلى 56% في العام 2014.

وبحسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، هناك 2.8 مليون طفل سوري خارج المدرسة، وخسارة في رأس المال البشري تبلغ نحو 10.5 مليارات دولار، بسبب حرمان ملايين الأطفال والشباب من التعليم. وبالنسبة للنظام الصحي، فهو يمضي من سيِّئ إلى أسوأ وإلى أشدّ سوءاً، نتيجة لهدم البنية التحتية والمراكز الطبية ونقص الأدوية وهروب الأطباء.

تكاليف إعادة الإعمار

سوف ترث سورية، في مرحلة ما بعد الصراع، اقتصاداً منهاراً، سوق عمل ضعيفة، نظاما تعليميا مُعطَّلا، ورأس مال بشريا غير مكتمل، لذلك سيكون هناك العديد من اﻟﺘﺤﺪّﻳﺎت المُعقَّدة التي ستواجه عملية إﻋﺎدة اﻹﻋﻤﺎر.

ففي عام 2016، قدَّر رئيس البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار بـ 180 مليار دولار، وأبدى قلقه من احتمال عدم توفر المنح والمساعدات، لا سيَّما في ظل عدم تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، والذي جعل الدول الغنية بالنفط والمعتادة على المساعدة عاجزة مالياً، بينما تراوحت تقديرات النظام السوري ما بين 200 و400 مليار دولار. 


ويبقى أي مبلغ غير دقيق، نظرا لاستمرار سيطرة الإرهابيين على بعض المناطق وغياب التقدير الدقيق لحجم الخسائر التي طاولت البنى التحتية والخدمية.

لقد انعقد المؤتمر الثاني في بروكسل تحت عنوان "دعم مستقبل سورية والمنطقة"، يومي 24 و25 نيسان/إبريل 2018، من أجل فتح النقاش والحوار حول تكلفة إعادة بناء سورية والمبالغ المقرَّر منحها لذلك الغرض، وتمّ الاتفاق على تخصيص تمويل قدره 4.4 مليارات دولار لسنة 2018، و3.4 مليارات دولار للفترة الممتدة ما بين 2019 و2020، وقروض بـ 21.2 مليار دولار للفترة ما بين 2018 و2020.

وأشار البنك الدولي، في أحد تقاريره، إلى أن رجوع الناتج المحلي الإجمالي السوري إلى مستوى ما قبل الحرب سيستغرق 10 سنوات ابتداءً من سنة التَوصُّل إلى حلّ سياسي والانطلاق في عملية إعادة الإعمار، وذلك طبعا إذا نَمَا الاقتصاد بنسبة 5%، أما إذا نَمَا بنسبة أقلّ مثلا 3%، فسيكون هناك تأخير لمدة 10 سنوات أخرى.

هناك حاجة إلى وضع استراتيجية طموحة لإعادة إعمار البلد وتوجيهه نحو مسار النمو والازدهار، ففي غيابها سيتم هدر المبالغ المخصصة لإعادة الإعمار. وبما أنّ مستوى العنف في سورية لا يُظهر أي علامات على التراجع، والوضع الإنساني لا يزال يعاني من تدهور مستمر، هناك حاجة ماسّة إلى تدخُّل المجتمع الدولي من أجل التَّوصُّل إلى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار ووضع حدّ للصراعات بالوكالة في سورية، فسيُمَكِّن ذلك من الحفاظ على رأس المال البشري والحدّ من الآثار طويلة الأجل للحرب. 

يجب أن يحلّ المجتمع الدولي محلّ النسيج المؤسساتي المحلي المنهك والضعيف كلياً، ليضمن حدوث التزامات جديرة بالثقة ويُمهِّد الطريق لعملية إعادة الإعمار، وأن يجعلها كاستراتيجية لحثّ الأطراف المتحاربة على الموافقة على اتفاق سلام. وبإمكان الإدارة الأميركية الجديدة أن تلعب دوراً كبيراً في تحقيق تقدُّم معتبر في عملية إعادة الإعمار، نظرا لقدرتها الكبيرة على كسر الوضع الخطير الراهن للانطلاق في جولة جدِّيّة وجديدة من المفاوضات.

كما يعتبر تحفيز النازحين واللاجئين على العودة ومساعدتهم على الاندماج مجدداً في المجتمع مهمّة جدّ شاقّة، وسيكون هناك قلق إذا فضَّل أغلبهم البقاء في الدول المضيفة، بسبب مشاكل الأمن ورداءة جودة الخدمات الأساسية والبطالة في سورية. وبشكل عام، تتطلَّب عملية إعادة إدماج العائدين السوريين تعزيز رأس المال الاجتماعي وبناء الثقة والشعور بالأمن.

ضوابط خطة إعادة الإعمار

- ينبغي على كل من المجتمع الدولي والإدارة الأميركية الجديدة العمل بجدّ على إنجاح خطَّة إعادة الإعمار الشاملة التي لن تعزِّز السلام اليوم فحسب، بل ستدعمه مستقبلاً أيضا، لأنّ السلام في منطقة الشرق الأوسط يعتبر بمثابة سلعة عامة يستفيد منها العالم أجمع.
- هناك حاجة ماسَّة لشراكات مع جهات دولية فاعلة ومحايدة من أجل النهوض بمختلف القطاعات في سورية.

- يكمن جوهر عملية التفاوض التي تُشكِّل حجر الأساس لإعادة الإعمار في مدى مصداقية كافّة الأطراف والتزامها بالتقسيم المُتَّفَق عليه للسلطة والموارد.

- ضرورة تحديد المجالات ذات الأولوية عند إعادة الإعمار، لأنّ سورية ليست بحاجة لإعادة بناء رأس المال المادي فقط، بل أيضا رأس المال البشري الذي عانى كثيراً خلال سبع سنوات من النزاع المسلح العنيف، وكذا رأس المال الاجتماعي أو الثقة بين مختلف المجموعات.

- يجب أن تركز الجهود المبذولة لإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع أيضا على خلق نسيج مؤسساتي جديد يعمل على معالجة الأسباب التي دفعت أولا المواطنين إلى الاحتجاج، لاسيَّما الشعور بالإقصاء والتهميش وقلّة الحيلة.

- يجب أن تشمل استراتيجية إعادة الإعمار الجانب الجغرافي أيضا، حتى يكون هناك اهتمام كبير بالمناطق المنتجة للنفط، فقد أثبتت الدراسات الاقتصادية أن قطاع النفط سريع الانتعاش مقارنة بالقطاعات الأخرى في البلد الخارج من الحرب، لذلك ستؤدي التسوية السلمية للأوضاع في سورية إلى انتعاش سريع في إنتاج وتصدير النفط، الأمر الذي سيسمح بتعافي الاقتصاد السوري بسرعة أكبر.

- قيام وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية المقبلة بجمع كل الأسلحة من أجل ضمان الأمن اللازم لتسريع عملية إعادة الإعمار.

المساهمون