ميلان ساكي..ثورة كروية هزت أوروبا بقيادة بائع الأحذية

ميلان ساكي..ثورة كروية هزت أوروبا بقيادة بائع الأحذية

21 يوليو 2014
الصورة
ميلان ساكي..ميلان الخالد
+ الخط -

ساكي لم يحترف كرة القدم إطلاقاً كلاعب وكان يقول دوماً إن الفارس الماهر لم يولد على شكل حصان، والإنسان الناجح هو الذي لا يمل من المحاولة، وهكذا فعل أريجو حينما فشل في لعب كرة القدم مع نادي فوسيجانو فقرر أن يقوم بتدريب الفريق الصغير وبعد إنتهاء التدريبات، يذهب إلى عمله كبائع للأحذية في دكّان والده.

تولى ساكي تدريب ناشئ فيورتينا ثم انتقل إلى نادي الدرجة الثالثة بارما ليصنع نجاحاً كبيراً ويصعد معهم إلى دوري الدرجة الثانية ويحقق نتائج أسطورية ويُقصي الميلان من بطولة الكأس لتلتقطه أنظار وأعين ملاك ميلان الجديد بقيادة بيرلسكوني ويحدث التعاون لتبدأ أجمل قصة إبداع في أواخر القرن العشرين على صعيد الأندية.

السابحون عكس التيار
بدأ ساكي فترته الذهبية في النصف الثاني من الثمانينيات، كرة القدم وقتها كانت أقرب إلى سيطرة النجوم وملوك الرقم 10، دييجو أرماندو مارادونا في نابولي والأرجنتين، ميشيل بلاتيني في يوفنتوس وفرنسا، مع تفشّي طريقة لعب 3-5-2 وسط كل منتخبات أوروبا حيث القوة البدنية والصراع العددي في منطقة الوسط مع وجود ليبرو صريح في الخلف وخدمة الفريق ككل للنجم الذي يلعب ما بين صانع اللعب والمهاجم الثاني.

هي خطة تعتمد بشكل كبير على ملء منطقة الارتكاز بأكبر قدر ممكن، أي وجود ثلاثة لاعبين بالوسط مع ظهيرين يلعبان على الطرف، بينما في الأمام يوجد مهاجم صريح وآخر متحرك. وهي الطريقة التي نجح من خلالها كارلوس بيلاردو في قيادة الأرجنتين إلى اللقب العالمي الثاني في 86 بعد أن لعب الفريق بأكمله لصالح العظيم دييجو أرماندو مارادونا.

ومع سيطرة طريقة 3-5-2 وظهور اللاعب النجم بشكل أكبر من الفريق، حاول أريجو ساكي فتح طريق جديد وآمن أن المستقبل سيكون خاصاً بعولمة اللعبة وأن الكرة وحدها لن تكون كافية لتحقيق الفوز، وأن هناك أموراً أخرى مهمة بل أهم مثل التحركات والتمركز والسيطرة على المساحات داخل الملعب سواء بالكرة أو بدونها، ومن هذه المعتقدات، سطر ساكي أول خط في تاريخ التكتيك الحديث وأعاد 4-4-2 إلى خارطة الطريق من جميع، لكن مع مفاهيم مختلفة وتطبيق شمولي كامل.

4_4_2
رسم ساكي إستراتيجيته جيداً ووضع الإطار الخاص بالخطة قبل تدريب اللاعبين عليها، وبدأ بفرض شخصيته التكتيكية على الجميع وإجبار كل الفريق على اللعب وفقاً لمبادئ الطريقة الفنية حتى يغرس في نفوس المجموعة أهمية الجماعية وعلو النظام العام فوق الجميع.

حارس المرمى جزء لا يتجزأ من الفريق، يستطيع اللعب بالكرة ويقوم بدور الليبرو خلف خط الدفاع، لذلك فإن الحارس هو لاعب حقيقي داخل الملعب، يتسلم الكرة ويمرر من لمسة واحدة، يتحكم في المنطقة أمام مرماه، يصعد للتغطية الدفاعية، جيد في ألعاب الهواء، قادر على بناء الهجمة من الخلف بشكل سريع.

الأظهرة لا تدافع فقط ولا تهاجم فقط، قوتهم في المزيج المتوازن على الخط الجانبي من الملعب، يدافعان ويهاجمان، ينطلقان على الأطراف ويدخلان إلى العمق لشغل مركز الليبرو دفاعياً ومبادلة المراكز مع الجناح هجومياً. ورأسمال هذه النوعية من اللاعبين هو الذكاء الفطري في التعامل مع الهجمة بعيداً عن الكرة.

قلبا الدفاع من أهم مراكز خطة 4-4-2 لأنهما خط الدفاع الأخير ومركز الهجوم الأول، ساكي يهاجم من الخلف ويدافع من الأمام، ونوعية المدافعين يجب أن تتوافق مع عقليته الفنيّة، أي ثنائي قادر على التحكم بالكرة تحت ضغط، وسرعة البديهة، والتحكم في مصيدة التسلل وضبطها.

ثنائي الوسط بمثابة الصيحة الجديدة في تلك الحقبة، المتعارف وقتها أن الوسط أقرب إلى لاعب دفاعي وآخر هجومي، وفي طريقة 3-5-2 يصبح الشكل العام أقرب إلى ثلاثي دفاعي أو لاعب ارتكاز صريح وثنائي أقرب إلى الأطراف، أما في 4-4-2 فالثنائي أقرب إلى ثنائية المحور، أو البوكس تو بوكس، والبوكس يعني لاعب الوسط الذي يدافع ويهاجم في آن واحد.

الأجنحة الهجومية مستوحاة من طريقة 4-2-4 القديمة للمنتخب البرازيلي و 4-4-2 لفيكتور ماسلوف، أي لاعب جناح يعود كثيراً للوسط مثل ماريو زاجالو في مونديال 58 أو يقطع في العمق كساعد هجومي صريح كما يحدث هذه الأيام، بينما الجناح الآخر لاعب سريع ومهاري على الخط تماماً.

ثنائي الهجوم يجب أن يكون نارياً، الأول هو مهاجم متكامل، قادر على صناعة الأهداف وتسجيلها، يستطيع السيطرة على الكرة والوصول إلى الهدف في أصعب الظروف، بينما الآخر متحرك أكثر وناجح في التحول بين أكثر من مركز داخل الملعب خصوصاً في الثلث الهجومي الأخير.

التطبيق داخل الملعب

لكي يستطيع ساكي تطبيق فلسفته الخاصة، كان يجب عليه تحويل الفريق الى كتلة واحدة، الفارق بين اول مدافع واخر مهاجم في الملعب كان 25 متر فقط، أي أن فان باستن يبتعد عن باريزي بمسافة لا تزيد عن 30 متر بحد أقصي. لا فرق بين الدفاع والهجوم، الميلان يلعب بنظام الرجل الواحد، والمفارقة أن هذا الرجل هو الفريق بأكمله وليس لاعباً بعينه. الـHigh Defensive Line المكون من باريزي، كوستاكورتا، مالديني، تاسوستي. رباعي خلفي يعتبر الأكثر صلابة في تاريخ الكرة الحديث.

لا يوجد بين الرباعي لاعب سريع لكنهم بارعون جدا في عملية الرقابة الفردية والتغطية والضغط من منتصف الملعب، أي أن الميلان لم يكن دفاعه من أمام خط الـ 18 بل من دائرة المنتصف. ثنائي الارتكاز، ريكارد وكارلو أنشيلوتي، لا يوجد بينهم لاعب دفاعي وآخر هجومي، بل الثنائي يتحرك في وقت واحد بالتناسق والتكامل، Double Pivot ثنائي محوري يهاجمان ويدافعان خلال المباراة. دونادوني لاعب الجناح الذي يتحرك على الخط بينما كولمبو الجناح الذي يميل الي عمق الوسط.

خوليت وأمامه فان باستن، لاعب متحرك لا يكل ولا يمل، والاخر هداف قاتل لا يرحم أمام المرمي. للوصول الى هذا المستوى العظيم، تدرب لاعبو الميلان تحت قيادة ساكي كثيرا حتي أصبحوا قادرين على فهم أفكاره وتطبيقها داخل الملعب. يضم الميلان نجوماً عظاماً كفان باستن مثلاً، لكن تبقي النجومية للفريق ككل. يشارك كل لاعب أثناء التدريبات في أكثر من مكان لكي يفهم جيدا خبايا مراكز الخطة وليس فقط المركز الذي يلعب فيه.

الأشباح

أبهر ساكي العالم بفكرة عبقرية جديدة عرفت باسم الـ Shadow Football أو كرة الأشباح. بعد أن أوضحنا فكرة الايطالي في تعليم كل لاعب بالفريق كل الجوانب التكتيكية لكل مركز. ابتكر العبقري أسلوب تدريبي جديد للاعبي ميلان يعتمد علي التدريب بدون كرة!

ينزل اللاعبون الي أرض الملعب، يخبرهم ساكي بوجود كرة "خيالية" في مكان ما بالملعب، يبدأ كل الفريق بالتحرك تجاه الكرة. يراقب أريجو من خارج الملعب تحركات كل لاعب وكيفية تمركز كل خط سواء بالدفاع أو الوسط أو الهجوم، في تعاملهم مع اللعبة.

الكرة الوهمية في منطقة أمام مربع العمليات أو ما يعرف باسم خط الـ 18، ينطلق الدفاع بشكل معين تجاهها بينما يحاول الهجوم استغلال مكانها في المباغتة، يقف ساكي في الخارج، يشاهد ردة فعل كل جانب ويسجل ملاحظاته ويعيد الكرة في مكان آخر، هكذا حتي النهاية، ويعقد اجتماعات مستمرة مع اللاعبين من أجل توصيل ما يريده منهم.

الغرض من هذا التدريب زيادة وعي اللاعبين تجاه التحرك الخططي بدون الكرة، لأن لعبة كرة القدم غير خاصة فقط بالمستديرة ولكن في التحكم بالمساحات بعيداً عنها، وهذا ما حاول ساكي زرعه في عقول وقلوب لاعبيه، محاولة الوصول إلى سيطرة عالية على الملعب والمباراة وليس الكرة فقط، وحينما نجحوا في ذلك، إحتلوا أوروبا بالطول والعرض، دون عناء يُذكر.

قبل أحد المباريات الهامة، ذهب أحد كشافي الفريق المنافس لحضور تدريبات ميلان. شاهد التدريب كاملا وعند رجوعه الي ناديه، أخبر المدير الفني أنه شاهد مباراة كاملة، يشارك فيها 11 لاعباً ضد 11، لكن المفاجأة، أنهم لعبوا من دون كرة، أنهم مجموعة من الأشباح!

تدريبات غريبة
فلسفة ساكي في، جماعية اللعبة، الفرد أقل من الفريق، والنظام يجب أن يتحكم في كل جوانب النادي الناجح. كان أريجو يقوم بعمل أشياء غريبة في تدريبات ميلان، فريق مكون من خمس لاعبين "أربع مدافعين وحارس" لكنه منظم، ومنافسه فريق مكون من عشر لاعبين غير منظمين، ويلعبان ضد بعضهما لمدة نصف ساعة، وكانت النهاية دائما لصالح التكتيك المنظم ضد العشوائية المدعمة بمهارات فردية خاصة.

نسف ساكي جميع التابوهات الموجودة في عصره، لا لعب بالليبرو ولا أداء دفاعي بحت. بدأ بطريقة 4-4-2 لكن مع ضغط غير طبيعي ونجاعة هجومية فعالة، Pressing Game. عند الهجوم، حامل الكرة يجد خمس لاعبين معه للمساندة بالاضافة الي ظهيري الجنب، الفريق يهاجم ويدافع ككتلة واحدة.

اعتمدت فلفسة ساكي علي ضرورة فهم اللاعب لتكتيك وسيستم الفريق بشكل كامل وليس مركزه فقط، أي أن لاعب الميلان يجب عليه معرفة كل كبيرة وصغيرة تخص الخطوط الثلاثة للفريق سواء كان مدافعاً أو مهاجماً أو لاعب وسط. وبالتالي كانت مطالبته لفرق الناشئين بضرورة تعليم اللاعب الصغير الجوانب الفنية والتكتيكية في كل جوانب كرة القدم.

أحد أعظم فرق التاريخ
"انه المايسترو الذي يرسم الإيقاع. يجب أن يسعى ليحصل على الجودة، لا على السطحية والسهولة. لا أذهب إلى الفرن من أجل الفرّان بل من أجل الخبز... المتطلبات المطلقة، الصرامة، هذا هو المايسترو". وساكي يستحق بجدارة لقب مايسترو.

كذلك ميلان الذي وضع كامل ثقته في مدرب بدون إنجازات، حتى وصل بهم إلى قمة المجد. إن كرة القدم ستتوقف كثيراً أمام تلك الحقبة، لأن أباطرة الروسونيري وضعوا أنفسهم أمام سجلات التاريخ كبطل لا يهاب.

الميلان نجح أثناء وجود مارادونا مع نابولي، الكتيبة الألمانية في انتر ميلان، برشلونة ما بعد تيري فينابلز، والريال وبطولاته. مع كل ذلك، وصل أريجو ساكي الي قمة المجد الكروي بحصوله مع الفريق اللومباردي على بطولات عديدة، الدوري الإيطالي عام 1988 مع نجاح غير عادي في بطولات أوروبا، الميلان يحصد لقبي دوري الأبطال لعامي 89 و 90 مع  تحقيق ألقاب السوبر الأوروبي وكأس الإنتركونتينتال لنفس الأعوام، حقاً فريق لن يدخل فقط التاريخ بما حققه من انتصارات، بل ستظل كتب كرة القدم تتحدث عن ما أوجده من ثورة تكتيكية فنية في عالم الساحرة المستديرة.

المساهمون