ميلاد 2018... الاحتلال ينغّص فرحة عيد الفلسطينيين

24 ديسمبر 2018
الصورة
شموع في كنيسة المهد (عصام الريماوي/ الأناضول)
+ الخط -


في كلّ عام، يحلّ عيد الميلاد على فلسطين وأهلها وسط منغّصات كثيرة. ففي تلك البلاد، مهد السيد المسيح، لا يختلف العيد عن سواه من أيام العام، في ظلّ سطوة الاحتلال الإسرائيلي.


في الأيام الأخيرة، راح الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة يتهيّأون للاحتفال بالميلاد المجيد، على الرغم من ارتكابات الاحتلال الإسرائيلي في المحافظات الفلسطينية، خصوصاً ما جرى في رام الله وطولكرم أخيراً من اغتيال لشبان فلسطينيين بدم بارد واقتحام منازل الأسرى والشهداء وهدم بعضها.

قبيل العيد، أنارت مدن الضفة الغربية أشجار الميلاد في الكنائس والميادين العامة، بحضور شخصيات وطنية ورجال دين ومشاركة أبناء البلاد من مسلمين ومسيحيين على حدّ سواء، في تأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني، لا سيّما في وجه الاحتلال الإسرائيلي. ومنذ مطلع شهر ديسمبر/ كانون الأول الجاري، بدأت بلديات بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا، في محافظة بيت لحم (جنوبي الضفة الغربية)، وكنائس بيت لحم، احتفالاتها. كذلك زُيّنت وأنيرت الكنائس والميادين العامة والشوارع بمناسبة هذا العيد.

ابتهاجاً بالمناسبة، وقبل أيام قليلة من العيد، أضيئت "شجرة الحرية" لعام 2019 أمام صرح الأسرى في مدينة بيت لحم، من قبل هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية وجمعية الأسرى والمحررين الفلسطينية والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية والقوى الوطنية في بيت لحم. و"شجرة الحرية" التي أنيرت هذا العام وفاءً للأسيرة الجريحة إسراء جعابيص وجميع الأسيرات والأسرى المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، زُيّنت بكرات تحمل أسماء الأسيرات القابعات في سجون الاحتلال.

في مهد المسيح

في بيت لحم، مهد السيّد المسيح، حرصت البلدية على "عدم التقصير"، فاحتفلت مطلع ديسمبر/ كانون الأول بإنارة شجرة الميلاد قبل أن تنظّم فعاليات عدّة، من قبيل افتتاح سوق الميلاد وإقامة نشاطات خاصة بالأطفال، واستعدّت بالطريقة المناسبة للاحتفال بليلة العيد، أمس الإثنين.

ويوضح مسؤول الإعلام في بلدية بيت لحم، فادي غطاس، لـ"العربي الجديد"، أنّ "بلدية بيت لحم عملت في خلال الفترة الماضية على ترتيبات العيد وإعداد الفعاليات ذات الصلة في المدينة وتزيين الشوارع وإنارة شجرة الميلاد". يُذكر أنّها استقبلت، ليلة أمس الإثنين، في ليلة العيد، المدبّر الرسولي الأب بييرباتيستا بيتسابلا الذي أقام قداس منتصف الليل بحضور شخصيات عدّة. ويوم أمس كذلك، استقبلت الفرق الكشفية التي جاءت من مختلف المحافظات الفلسطينية الضيوف والشخصيات والمدبّر الرسولي، وسط ترتيبات أمنية. ويشير غطاس إلى أنّ "أمسية عيد الميلاد أقيمت في ساحة المهد بمشاركة 11 جوقة محلية ودولية أدّت ترانيم ميلادية".

الأب بييرباتيستا بيتسابلا في بيت لحم عشيّة العيد (حازم بدر/ فرانس برس)


رام الله تحتفل

من جهتها، كانت كنائس رام الله وبلدياتها وقراها قد بدأت قبل أسابيع استعداداتها للاحتفال بالميلاد، فأضيئت شجرة الميلاد ومختلف زينة العيد في الميادين العامة والشوارع والكنائس، وسط حضور شعبي ورسمي من أبناء الديانتَين المسيحية والإسلامية، للتأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني، بينما نفّذت بلدية رام الله سلسلة فعاليات للأطفال وأخرى عامة، وأقامت أسواقاً شعبية بالمناسبة.

يؤكد الرئيس الروحي للرعية الأرثوذكسية في محافظة رام الله، الأرشمندريت إلياس عواد، لـ"العربي الجديد"، أنّ "الاستعداد لهذا العيد يأتي على أساس أنّه عيد وطني يشارك فيه المسلمون والمسيحيون للتأكيد على وحدة الفلسطينيين". يضيف أنّ "فلسطين تحتضن أعظم المقدّسات المسيحية والإسلامية في العالم. ومن أجل الحفاظ على هذه المقدسات في وجه الاحتلال الذي يريد مدننا مظلمة وفارغة، فنحن موجودون للتأكيد على أنّنا شعب موحّد وحيّ، آملين أن يدحر الله عنا الاحتلال ونحتفل من دون قيود واحتلال وحواجز".

فرحة ناقصة

على الرغم من فرحة العيد، فإنّ الأجواء، بحسب عوّاد، "حزينة على خلفيّة استشهاد عدد من الشبان واعتقال عدد من أبناء البلد وهدم منازل أسرى وشهداء، في وقت من المفترض بنا أن نفرح بعيد الميلاد المجيد". ويشدد عواد على أنّ "الاحتلال ينغّص أجواء الاحتفالات، لكنّنا مع ذلك شعب نبعث برسالة إلى العالم أجمع ونحافظ على رسالة السيّد المسيح التي انطلقت من عندنا إلى كلّ العالم، وهي رسالة سلام ومحبة، وهي رسالتنا كشعب فلسطين". يضيف عوّاد: "نحن شعب نؤمن بالسلام ونحبّ الجميع، لكنّنا نريد العيش في ظل دولة حرّة من دون اقتحامات ولا حواجز ولا جدار فصل عنصري. فالجدار يفصل بين مدينتَي بيت لحم والقدس، في حين أنّه من المفترض أن تنطلق الاحتفالات من القدس وتختتم في بيت لحم". ويستنكر "منع المسيحيين من أبناء قطاع غزة من المشاركة باحتفالات عيد الميلاد، وهو أمر لا ترضاه أيّ شرائع أو قوانين أو ضمير إنساني".




أطفال وسانتا كلوز

أمس، في بلدة الزبابدة، الواقعة جنوب شرق جنين، شمالي الضفة الغربية، راح الأطفال ينتظرون في منازلهم وفي الأماكن العامة بحماسة سانتا كلوز أو بابا نويل الذي يتجوّل في شوارع البلدة حاملاً معه هدايا كثيرة يوزّعها عليهم، من ضمن احتفالات عيد الميلاد، وذلك وسط أجواء اجتماعية جميلة. ولعلّ إضاءة شجرة عيد الميلاد وسط البلدة تُعَدّ أبرز نشاط في بلدة الزبابدة في خلال فترة العيد، إذ إنّ الأهالي تجمّعوا مع عائلاتهم للمشاركة بتلك الفعالية المميزة، في حين راح المسيحيون يؤدون في خلال الأيام الماضية الصلوات في كنائس البلدة.

رامي عبيد، وهو ناشط في بلدة الزبابدة، يخبر "العربي الجديد"، بأنّه في الفترة الماضية "نظمت حفلات عدّة للأطفال الذين كانوا يفرحون بوجود سانتا كلوز. وهذا أمر طبيعي، ولا سيّما أنّه يوزّع الهدايا والألعاب عليهم. كذلك ينتظر الناس، اليوم، المسيرات الكشفية التي تخرج فيها فرق الكشافة وتجوب شوارع البلدة احتفاء بهذه المناسبة".

تجدر الإشارة إلى أنّ أجواء بلدة الزبابدة في العيد تتميّز بطابع خاص، فأهلها من المسيحيين والمسلمين وتضمّ أربع كنائس ومسجدَين. بالتالي، تأتي المناسبات الاجتماعية مميّزة في احتفالاتها عموماً. فالأهالي يتشاركون مناسباتهم السعيدة والحزينة على حدّ سواء ويتزاورون، وفي العيد يتبادلون الهدايا والأطعمة الخاصة.

عرض كشفي أمام كنيسة المهد (عصام الريماوي/ الأناضول)


حيّ رفيديا النابلسي

في مدينة نابلس، شماليّ الضفة الغربية، وقبيل عيد الميلاد، تزيّنت شوارع المدينة، خصوصاً حيّ رفيديا غرباً، الذي يُعَدّ من أجمل أحيائها، بأشجار العيد والأنوار احتفاءً بالمناسبة، وذلك استعداداً للفعاليات التي تستمرّ طوال أيام العيد. أمّا الشباب، فراحوا يتجهّزون للمناسبة وينظّمّون فعالياتهم ويعدّون نشاطاتهم كما في كل عام. عيسى كوّع، واحد من هؤلاء، يقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "في مدينة نابلس أربع طوائف مسيحية، ونحن نُعَدّ أقلية على مستوى نابلس، لكنّ الجو الاجتماعي السائد في المدينة لا يدع مجالاً للتمييز. هكذا، نتشارك دائماً الأعياد والمناسبات".

وخلال فترة عيد الميلاد، تنفّذ مجموعة من الناشطين في كل عام نشاطات خاصة بالأطفال، لا سيّما حفلات في الأماكن العامة وفي بعض الأماكن المغلقة. ويُدعى الصغار وعائلاتهم، في حين ينتظرهم سانتا كلوز ليلعب معهم ويوزّع عليهم الهدايا والحلويات ويلتقط معهم الصور. إلى جانب ذلك، يزور الناشطون المنازل ويوزّعون الهدايا على الأطفال، وقد ارتدوا ملابس سانتا كلوز. في السياق، انطلقت أمس، ليلة عيد الميلاد، مسيرات كشفية من أمام كنيسة الروم الأرثوذكس وراحت تجوب شوارع حيّ رفيديا وصولاً إلى كنيسة الكاثوليك.



ويشير كوّع إلى أنّ "المسيحيين في نابلس يستقبلون المهنئين بالعيد في بيوتهم وكنائسهم، سواء أكانوا من المسيحيين أم المسلمين". يضيف أنّ "المؤسسات الرسمية والشعبية كانت تعمد إلى زيارة كل الكنائس والطوائف لتهنئتها بالعيد، إلا أنّ المسيحيين صاروا يجتمعون بطوائفهم الأربع، منذ خمسة أعوام، في كنيسة واحدة لاستقبال المعايدين". ويؤكد كوّع أنّ "أجواء جميلة ومميزة يتشارك فيها المسيحيون والمسلمون في كل عيد، ليس فقط في أعياد المسيحيين بل وفي أعياد المسلمين ومناسباتهم كذلك. فالروابط الاجتماعية بين أهالي مدينة نابلس قوية".