ميشال روكار... اليساري المحبوب في الحقل الإعلامي

ميشال روكار... اليساري المحبوب في الحقل الإعلامي

07 يوليو 2016
الصورة
رحل روكار في الرابع من يونيو (توماس سامسون/فرانس برس)
+ الخط -
في الرابع من الشهر الجاري، رحل ميشال روكار، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق والرجل الذي يعدّه كثيرون آخر اليساريين الكبار الذين طبعوا الحياة السياسية الفرنسية، وتركوا أثرًا كبيرًا خلال أربعة عقود خلت من تاريخ الجمهورية الخامسة. فأصبحت "الروكاردية" مدرسة وتيارًا سياسيًا، له مؤيدوه في فرنسا وأوروبا، أنجز قراءة نقدية مميزة لتجارب الشيوعية والاشتراكية واليسار في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. 

لسنوات طويلة، بقي ميشال روكار الشخصية اليسارية المحببة في الحقل الإعلامي، إذ يحوي أرشيف المعهد الوطني السمعي والبصري عشرات المقاطع المصوّرة لروكار، فيها مقابلات وتصريحات إعلامية ومحاضرات وندوات عدا عن المداخلات البرلمانية، ويغمز بعض الصحافيين الفرنسيين من باب الصراع الروكاردي/الميتيراني قبل 1981، لتعليل العلاقة الودية بين روكار والإعلام. ويقول هؤلاء إنّ روكار كان في عزّ عطائه ونضوجه الفكري في السبعينيات، وكانت علاقته بالشيوعيين قد انحسرت وموقفه من حرب الجزائر مال إلى تجريم فرنسا، على عكس رفيقه اللدود فرانسوا ميتيران.

وفي معرض حديثها عن العلاقة بين روكار ووسائل الإعلام، استذكرت يومية "الأوبسرفتور" الحادثة التي أطلقت غضب روكار سنة 2008، في وجه صحيفة "لوفيغارو" التي حرّفت محتوى المقابلة المتعلّقة بزيادة رواتب الأساتذة استنادًا إلى مستوى الجدارة التي يتمتّع بها كل أستاذ. وعمدت الصحيفة إلى إسقاط الحادثة على العنوان الذي أرفقته "لو بوان" صبيحة اليوم التالي لرحيل روكار "اليسار الفرنسي هو الأكثر رجعية في أوروبا". وقالت "الفارق اليوم أنّ روكار لن يخرج في اليوم التالي ليتصدّى للتحريف الذي اعتمدته لوبوان، فالعنوان أخذ خارج سياق الفكرة العامة التي شرحها روكار؛ وهي أنّ رواسب الماركسية السياسية لا تزال تسيطر على الأحزاب اليسارية الفرنسية؛ وهذا ما يمثّل يسار ماضويا لا يعيش على نقد تجاربه التي أثبتت رجعيتها".

روكار الذي عايش تطوّر الإعلام الفرنسي، وسيطرة حيتان المال منذ أواسط الستينيات على الحقل الإعلامي في أوروبا، وصعود نجم روبرت مردوخ وكونراد بلاك، يرى في كل خطوة أو قرار سياسي يدا طولى لوسائل الإعلام. وهو لذلك كان بارعا في ردوده على محاوريه وعالمًا في مكامن القوة والضعف لديه. وهو الانطباع الذي تركه لدى كل الذين تابعوه في الحوار الذي أجراه معه تيري أرديسون في برنامجه الشهير "Tout le monde en parle" سنة 2001 وفيه يحاول أرديسون إحراج روكار في فقرة "Alerte rose" في طرحه أسئلة متعلقة بالحب والجنس، لكنّ روكار كان يردّ دائمًا بديمقراطية وهدوء ساخر كما لو أنّه خرج قليلاً من عالم السياسة إلى عالم يحبّه أكثر ويبادله فيه الصحافيون هذا الحب.

في نقاش حول الحوارات السياسية وطريقة نقل وسائل الإعلام الفرنسية للمضمون، ينقل ماتياس تيبو في "لا تريبون" عن روكار، استياءه من "تقديم الإعلام الفرنسي للخبر كـ"سكوب" يبتغي نقل المعلومة بشكل مختصر تحت حجة "رفض التعقيد". فنرى حوارات طويلة تتناول مسائل عديدة وإشكالية، لكننا في اليوم الثاني نقرأ الصفحة الأولى فنقف أمام ضحالة صحافية وتعاط قاتل مع السياسي".
ويضيف تيبو "قلّة من السياسيين مثل روكار لم يرضخوا لتجاوزات النظام الإعلامي الحالي، فكان الخطاب السياسي لديه تعريفا بالخط الفكري الذي ينتهجه وانعكاسا لمسار طويل من تلازم الفكر/السياسة. وهي المعضلة التي قدّمها الإعلام عندنا طويلا لتمييز يسار روكار (الفكري) من يسار ميتيران (السياسي) وفي الحالتين كانت وسائل الإعلام تصنع المادة. لذلك كان يدعو دومًا إلى أمرين: أولا حذر القادة السياسيين في التعاطي مع وسائل الإعلام، بشكل لا يمكّن المراسل من تحوير المحتوى الأساسي للكلام، وثانيا تكثيف الوعي وتدريب الصحافيين على كيفية إدارة الحوار وتقديم المعلومة المفيدة على حساب السكوب الإعلامي".




المساهمون