ميركل .. الأمومة تقود الشعب

21 مارس 2020
الصورة

ميركل تلقي كلمتها بشأن فيروس كورونا في برلين (18/3/2020/Getty)

+ الخط -
لا يحق لأحد أن يستنكر على السوري مشاعر الغيرة من أحد أو شيء، حتى أن يغار من مدن أو شعوب أو أنظمة أو قادة، فالسوري يفتك به الموت منذ تسع سنوات، بعدما فتك بحياته طغيان الأنظمة التي تحكّمت به وحكمت مصيره، طغيان سياسي وديني واجتماعي واقتصادي وإداري، وكل ما يتدخل في الحياة، فحرمته مقومات العيش الكريم، وأن يشعر بكينونته ويحب حياته ووطنه، وليس أقسى على الإنسان من أن يكره حياته ووطنه، إنه الجحيم الحقيقي.
في أزمة كورونا المستجد التي تتغوّل في البشرية، وتهدّد أمنها ومصيرها، فإن الواقع المحكوم بالترقب والخوف يطرح أسئلة كبيرة، أكبر من قدرة الفرد على احتمالها، بل أكبر من قدرة الأنظمة على التنبؤ بمآلها، على الرغم مما تحاول فعله في مواجهة هذا الانفجار الكبير الذي يربك البشرية، لكن الأسئلة تتناسل من بعضها، وتضع العالم أمام حقائق سوف تجبره على إعادة النظر في أنظمته السابقة، إعادة النظر في قوانين العولمة وممارساتها التي ربطت العالم ببعضه بعضا، فصاغت شبكة من القواعد والآليات الاقتصادية، سوف تكون نتائجها كارثية على المدى المنظور.
ولكن من يتابع الدول ذات الاقتصاد القوي، وكيف تتصرف مع هذه الأزمة المنفجرة من دون سابق إنذار، خصوصا بالنسبة إلى السوريين الصامتين الذين أجبرتهم الحرب السورية، بمآلاتها وتشابكاتها وعنفها ودمويتها، على الصمت الأخرس، وغيبت وعيهم عن مكامن الحقيقة، سوف يعرف أن دولة المؤسسات والقانون هي الضامن الوحيد، على الأقل حاليًا، ولا مجال هنا للسجال بين نظام ديمقراطي كما في أوروبا وشمولي كما في الصين، فالخلاف هنا لا يمكن حصره في دائرة المفاضلة هذه، فالتنمية في الصين اجتماعية والاقتصاد موجه للجميع، بغض النظر عن القمع والمبالغة في استخدام السلطة، خصوصا في وقت الأزمات، فقد كان للتجربة الصينية ما يحسب لها وما يمكن الوقوف عنده، لأن الأمور بنتائجها، كذلك بالنسبة إلى الدول الأوروبية القوية، مثل فرنسا وألمانيا، فالدولة تعمل كفريق طوارئ، بكل مؤسساتها وبأقصى طاقاتها، وتواجه الأزمة بحكمة وتمارس شفافية كبيرة مع شعبها، ويطل قادتها كل حين ليخاطبوا الشعب، ويتوجهوا إليه ويعلموه بما أنجزوا وبماذا يفكرون وكيف يخططون وما هي النتائج، ولا يأخذون بعض القرارات من دون الرجوع إلى البرلمانات للموافقة عليها.
خاطبت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، الشعب الألماني بكلمة متلفزة، أمكن التقاط تأثيرها 
الإيجابي من صباح اليوم التالي، فقد استجاب الشعب بشكل ملحوظ لخطابها، والشوارع تقدم الدليل، فما الذي يجعل الشعب يستجيب لطلبات حكومته حتى لو لم تستخدم القوة والقمع؟ إنها الثقة، والثقة التي دائمًا على المحكّ، والحكومات تعرف هذه الحقيقة، فلا تحسب حسابًا إلاّ للشعب الموجودة من أجله.
لم تضع ميركل مسافة بينها وبين الشعب الذي تخاطبه، لم تستخدم ضمير المتكلم ولم تقل "أنا" ولا مرّة، حتى لم تقل "نحن" كجهاز دولة وحكومة. خاطبت الشعب باعتبارها واحدة منهم، قالت: "الكل مهم وجميع الجهود مطلوبة. ما نتعلمه من الوباء هو مدى اعتمادنا على سلوك الآخرين، وإلى أي مدىً يمكن أن نقوي بعضنا بعضًا من خلال تضافرنا". خاطبت روح الجماعة، ولامست الفردية في الوقت نفسه، حرّضت الغيرية في نفوس الشعب، عزّزت ثقتهم بأنفسهم، ولامست قيمهم وعقولهم، "لدينا وسيلة لمجابهته، علينا الابتعاد عن بعضنا من باب تحمّل المسؤولية. المودة بالنسبة لنا هي القرب الجسدي أو اللمس. وفي الوقت الراهن العكس هو صحيح. سيكون الأمر صعبًا على كثيرين، لكننا سنجد سبلاً أخرى لمؤازرة بعضنا بعضا. أناشدكم تقيدوا بالتعليمات". وقالت: "نحن بلد ديمقراطي لا نتعامل بالإكراه، بل بتقاسم المعرفة وبالتشارك. إنها مهمة تاريخية، وسنستطيع أن ننجزها معًا فقط". تكلمت بشفافية وحكمة ومنطق. قالت إن قرارات الحكومة تُتخذ بناء على تقارير العلماء لديهم. والتشاور مع كل الحكومات في الولايات، ووعدت بأن الحكومة لن تتخلى عن الشعب "أؤكد لكم أن الحكومة ستفعل كل ما تستطيع فعله لتخفيف التداعيات الاقتصادية والحفاظ على الوظائف. ينبغي أن يكون الجميع متأكدين من أن المواد الغذائية ستكون متوافرة دائمًا. لهذا أرجوكم لا تصدقوا أي إشاعات، واعتمدوا فقط على البيانات الرسمية التي نترجمها إلى لغات عدة". وعبارة "لغات عدة" وحدها تفتح الضمير على آفاق واسعة، وتجعل السوري يشعر بالغبن الذي كان ضحيته، فالشعب الألماني هو كل من يحمل الجنسية الألمانية، أو يقيم على أرضها، بينما قُهرت اللغات والقوميات والأعراق، بل قُهر المواطن في سورية.
كان خطاب المستشارة ميركل مفعمًا بالأمومة، خطاب امرأة لقبت بالحديدية، كان مترعًا بالعاطفة والحكمة الأنثوية، فهل أجمل من أن تكون السلطة أنثى؟ أن تكون السلطة أمًّا؟ لم يأت لقب "موتي" الذي يعني الأم بالألمانية من فراغ، فهي تمتلك من صفات الأمومة ما يكفي لأن يلتصق بها اللقب، تمتلك منها ما جعل السوريين يلتقطونها مباشرةً، عندما فتحت حدود بلادها لهم، وهم الهاربون من الموت والجوع والتشريد، هم الذين قارعوا المخاطر وفقدوا أحبتهم، إما تحت القصف الذي لم يميز صغيرًا ولا كبيرًا في وطنهم، أو في طريق تغريبتهم الطويلة الشاقّة، حتى 
لو كان لبلدها مصلحة في ذلك، فهي عرفت كيف تستثمر الحياة وتحترم الإنسانية. لم يأت من الفراغ لقب "ماما ميركل" وقد كانوا بأمس الحاجة إلى حضن أمٍّ يجمعهم، ويبثهم الدفء، ويعيد السلام والطمأنينة إلى أرواحهم المتعبة. لم تتراجع عن موقفها على الرغم من بروز معارضةٍ راحت تكبر وتتزايد لسياستها، مستغلين قضية اللجوء بشكل كبير. وعلى الرغم من الأزمة الجبارة التي تحدق بالمجتمع البشري، وتهدّد بتدمير اقتصادات وانهيار دول، وأن ألمانيا واحدة من هذا المجموع المهدّد، فإنها خاطبت شعبها في الأمس، كأمّ تملك من الحكمة والتعقل والمحبة والعاطفة ما يكفي لأن تجعل أكثر أبنائها شغبًا وتمردًا يصغي إليها. كنت ممن تابعوا كلامها، وقلبي يعتصر ألمًا على شعبنا السوري بالعموم، وعلى الأمهات السوريات تحديدًا، في ظل هذه الكارثة التي تهدد بلا استثناء، ترتجف أمامها أقوى الدول وترتبك أكثر الشعوب أمنًا واطمئنانًا، الأم السورية التي يصادف عيدها الخلبي في 21 من آذار/ مارس، يوم أوهموها أنه عيد فكان جلّ ما تنتظر من هذا العيد أن تعطّل، ويعطّل أبناؤها معها، وتنعم بالعيش معهم يوما واحدا، تستثمره حتى الرمق الأخير في التجهيز لباقي أيام الأسبوع. هذا في وقت كانت سورية تنعم بالاستقرار الذي لا يعني بالضرورة نعيمًا، بل هو حالة من الركود المعادي للحياة.
لا تختلف الأمهات السوريات عن أنجيلا ميركل، فهن قادراتٌ على صنع الحياة، ويصنعنها بالفعل في ظروفٍ قاهرة، بين أمهات الداخل والخارج، خصوصا في مخيمات العار بحق الإنسانية، مخيمات اللجوء. ولكن الفرق أن ميركل، المتخصصة في علوم الفيزياء، والتي ولدت ونشأت تحت ظل نظام قمعي شمولي، قالت مرة إنها اختارت دراسة الفيزياء لأن الحكومة الشيوعية في ألمانيا الشرقية حينها كانت تتدخل في كل شيء، باستثناء "قوانين الطبيعة"، فكان اختيارًا للحرية بوصفها قيمة عليا.
أمهات بلادي يكبرن تحت ظل القمع منذ ولادتهن، قمع الإنسان في أعماقهن، قمع السلطات مجتمعة، معزّزة بثقافة ذكورية غاشمة، ويعانين القمع مرة أخرى مع كل أفراد الشعب في أي بقعة كنّ اليوم، وتحت أي حكم في مناطقهن، وحملن ويتحملن أكبر وزر تخلفه الحرب وراءها، وأكبر مسؤولية يحاربن لأجلها، مسؤولية صون الحياة ولو بالحد الأدنى، لكنهن يبدعن في صونها، وهنّ اليوم محارباتٌ على جبهة أخرى من جبهات الحياة، محاربات في ظروف القهر والقلة والفاقة ضد فيروس يلتهم البشرية.
لكل أم سورية في ذكرى عيد الأم تمنيات بنصيبٍ أكثر رحمة في الحياة، وبحرية يستعدنها ليكنّ قادرات على استثمار إبداعاتهن في كل مجالات الحياة. وللسيدة التي لامست وجع كل سوري، وعرفت وتعرف كيف تدير بلادها وقت الأزمات ووقت الاستقرار.. "موتي"، أو ماما ميركل، تحية محبة وتقدير على شفافيتها وصدقها، التي لم تخفِ الحقيقة عن شعبها، وتشاركت معهم كواحدة منهم لأن: التغلب على كورونا هو أعظم مهمة بالنسبة لألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية. يمكن للأمومة أن ترقى بكل المعاني، حتى بالسياسة والقيادة.

دلالات