موظفون كويتيون لا يعملون

15 ديسمبر 2019
الصورة
هل هم في وقت الدوام؟ (ياسر الزيات/ فرانس برس)
+ الخط -
تمثل البطالة المقنعة ظاهرة كبيرة في الكويت، إذ تبلغ نسبة الموظفين الكويتيين الذين يعيشون هذه الظاهرة وفق دراسة أجراها البرلمان الكويتي، 79 في المائة، وذلك بسبب الدستور الذي يلزم الدولة بتوفير وظائف للمواطنين في القطاع العام مهما كان عدد المتقدمين لها. وتنص المادة 41 من الدستور الكويتي على ضرورة توفير الدولة العمل لجميع المواطنين، إذ تقول: "لكلّ كويتي الحق في العمل وفي اختيار نوعه، والعمل واجب على كلّ مواطن تقتضيه الكرامة ويستوجبه الخير العام، وتقوم الدولة على توفيره للمواطنين وعلى عدالة شروطه".

دفعت هذه المادة الحكومة الكويتية إلى اختراع وظائف لا حاجة لها فيها، أو وضع مواطنين في أماكن لا تستوجب العمل مما خلق بطالة مقنعة كبيرة في البلاد. ويعاني الموظفون الكويتيون الذين يعيشون في دائرة البطالة المقنعة مما وصفوه بالفراغ وعدم وجود أيّ جدوى في عملهم بالرغم من مطالبة كثيرين منهم لمسؤوليهم بإسناد مهام إدارية أو فنية من صميم اختصاصاتهم لهم للعمل عليها.




تخرّج سعد العتيبي في اختصاص الإعلام من كلية الآداب بجامعة الكويت، وأدرج اسمه في ديوان الخدمة المدنية، كما هي الحال مع بقية الخريجين الكويتيين، لكنّه فوجئ أنّ ديوان الخدمة يعرض عليه وظيفة إدارية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لا ترتبط باختصاصه. ويقول العتيبي لـ"العربي الجديد": "في أول يوم وظيفيّ لي فوجئت بالمسؤول يطلب مني تسجيل دخولي في الساعة الثامنة والنصف صباحاً والعودة للمنزل حتى ساعة انتهاء الدوام في الواحدة ظهراً للمجيء وتسجيل الخروج متعذراً بأنّه لا مكان عمل لي وليست هناك مكاتب أو كراس أجلس عليها". يضيف العتيبي: "مرّ على تاريخ توظيفي أكثر من عامين من دون أن أؤدي أيّ مهمة، وعلى العكس، فإنّ راتبي زاد بسبب أقدميتي ومن الممكن أن أحصل على ترقية في وقت قريب بالرغم من أنّي لم أقم بأيّ شيء". يشرح سلطان النومان، وهو زميل للعتيبي في العمل نفسه، الصعوبات على الصعيد النفسي والاجتماعي نتيجة عدم وجود عمل حقيقي يؤديه، فقد باتت حياته "حياة رتيبة ومملة بشكل دائم" وفق ما يقول لـ"العربي الجديد".

يقضي النومان وقت العمل بالعبث بهاتفه المحمول، أو الذهاب للعب الرياضة في نادٍ صحي قريب من مقر عمله وسط العاصمة الكويت. ويتابع: "هذه البطالة المقنعة باتت تهدد حياتي وتصيبها بالسأم وتؤثر على علاقاتي بعائلتي وأصدقائي، فشعوري بعدم الجدوى يفقدني الثقة في نفسي، في بعض المرات، خصوصاً عندما أشاهد المقربين مني وهم يؤدون أعمالهم ومهامهم وأنا شبه عاطل من العمل، لكنّي أتقاضى راتباً حكومياً".

باتت صفة موظفي الحكومة تطلق على الموظفين الذين لا يؤدون أعمالاً حقيقية ويتقاضون رواتب نظيرها، بالرغم من أنّ بعضهم مطالب بأداء مهام وظيفية مهمة إما لوجوده في مكان حساس أو مزدحم بالمراجعين، لكنّه لا يؤدي وظيفته بسبب غياب الرقابة الإدارية على أعمال الموظفين وعدم إمكانية طرد الموظف أو إقالته من وظيفته الحكومية إلاّ بالانقطاع عن العمل أو ارتكاب جريمة تمس الشرف والأخلاق.

ويرى خالد الديحاني، وهو مسؤول حكومي، في إحدى الوزارات أنّ البطالة المقنعة موجودة لكنّ حديث الموظف الكويتي حول تأثيراتها النفسية هو ضرب من المبالغة في تقدير الأمور وفق ما يقول "للعربي الجديد". يدير الديحاني إدارة يعمل فيها 60 موظفاً وموظفة، لكنّ حجم المعاملات الحكومية التي تردهم كلّ يوم تتطلب عمل أكثر من 300 موظف وهو ما ترفض وزارته توفيره له بحجة عدم رغبة المواطنين في العمل فيها. يعلق: "لو كانوا يرغبون بالعمل لجاءوا إلينا".

يتمكن زائرو مدينة الكويت كلّ صباح من التفريق بين موظفي القطاع الخاص الذين يتحينون ساعة واحدة مقتطعة من فترة عملهم للحصول على وجبة الإفطار أو الغداء وبين موظفي بعض الجهات الحكومية الموجودة في قلب العاصمة مثل وزارة الإعلام والذين يجلسون في المقاهي القريبة من مقر الوزارة بانتظار انتهاء أوقات عملهم. ويقول سعود الشمري، وهو موظف في وزارة الإعلام لـ"العربي الجديد": "أؤدي عملي بالطبع، لكنّه عمل بسيط جداً لا يأخذ دقائق من وقتي، وإذا أردت سؤالي عن التناسب بين حجم الموظفين الكبير الموجودين في وزارة الإعلام وبين الأعمال المطلوبة فسأقول لك إنّه غير موجود". ويضيف: "هناك مهندسون مدنيون يعملون في وزارتنا، وإن سألتهم ماذا تؤدون سيقولون لك لا شيء، لكنّ الحكومة قررت توظيفهم هنا لأنّها لم تجد مكاناً تضعهم فيه".

يعلق الباحث الاجتماعي في "جامعة الكويت" خليل خالد، لـ"العربي الجديد" بالقول: "الآثار الناتجة عن البطالة المقنعة مدمرة للفرد وللدولة أيضاً، لأنّها تنتج ثقافة كراهية العمل وعدم الإيمان بجدواه والإحساس بالهامشية وعدم التأثير مما ينتج ضعفاً للثقة بالنفس وهو أمر سينسحب بلا شك على الحياة الشخصية للفرد". يتابع أنّ الحديث عن البطالة المقنعة شائع في المجتمع الكويتي، ويعرفه التلاميذ حتى، لكنّ ذلك يتعلق عادة بالجوانب الاقتصادية والإدارية للدولة وليس بالجوانب النفسية للفرد.




يذكر أنّ كثيرين من الكويتيين استفادوا من البطالة المقنعة لإنشاء مشاريع تجارية خاصة بهم مع البقاء على رأس عملهم الحكومي، بالرغم من مخالفة ذلك القوانين الكويتية التي تخيّر المواطن بين العمل في القطاع الحكومي أو التجارة. لكنّ هؤلاء المواطنين يضعون رخصهم التجارية باسم أشخاص آخرين ما يجنبهم المساءلة وهو "خيار غير أخلاقي" من وجهة نظر الباحث الاجتماعي خليل خالد لكنّه "ضروري ومحتم إذا أراد الموظف الحكومي الذي لا يؤدي أيّ عمل أن يكون فرداً منتجاً في المجتمع".