موسيقى اليوتيوب... نستمع لكي نشاهد الإعلان

12 يوليو 2020
الصورة
ضغوط عديدة تدفع يوتيوب ليعمل بخدمة الاشتراك مقابل رسم شهري (Getty)

هجين وقَع في سلّة تين. هكذا تلقّفت "السمّيعة" منصّة اليوتيوب مطلعَ الألفية، خصوصاً في العالم العربي، حيث لم يكن يتسنّى لعشّاق الموسيقى ومُمارسيها ومتعلّميها من قبل، إلا فيما قلّ وندر، اقتناء النُسخ الأصلية من أشرطة وأسطوانات، أو من تلك الأفلام المُتعلّقة من وثائقية وتعليمية، التي تروي سِيَر وأخبار الفنانين من مؤلفين ومؤدين، وتسجيلات كاملة مصورة لأبرز عروضهم الحية.
في دول سعت إلى السير على النهج الاشتراكي أيام الستينيات وحتى الثمانينيات، كالعراق وسورية ومصر، كان ثمة صناعة موسيقية وليدة أقلعت مطلع القرن العشرين، ثم وئدت واندثرت. شركات خاصة رائدة للإنتاج الفني وطباعة الأسطوانات، كـجقماقجي العراقية وبيضافون اللبنانية، ومصرفون وكايروفون المصريتين، كانت لتؤسس عربياً مشهداً فنّياً مُدرِّاً ثقافياً وتجارياً، لو لم تستولِ عليها الأنظمة فتؤمّمها، واضعة مُجمل الإنتاج الفني السمعي والمرئي، تحت وصاية دوائر التوجيه والإرشاد وأجهزة الرقابة والإعلام المُمثّلة بالإذاعة والتلفزيون الرسميين.

لن تقف الإعلانات على أعتاب الفيديو، ولن تكتفي بإفساد البداية، فكلما اتسعت جماهيريته وعلا شأن صاحبه، زاد اليوتيوب من فُرص تعكير صفو مشاهدته والاستماع إليه

 

هكذا، تحوّل السماع في عموم المنطقة العربية إلى سوق سوداء؛ ما اقتضت حيازته يوماً أن توصي مسافراً إلى الخارج بأن يُحضر في جعبته حين يعود، أحد الألبومات لواحد من الفنانين المعروفين، يتبادله أولئك المعجبون في ما بينهم، يسجلونه على أشرطة كاسيت صوتية أو فيديو مرئية، تُعار أحياناً وأحياناً تُباع، أصبح اليوم، لا بل ومعه جلّ الإرث السمعي الإنساني، متوفّراً على اليوتيوب؛ عبر الهاتف أو الحاسوب، بنقرة إصبع، وبالمجان.

بيد أن فرحة السمّيعة لم تكتمل، حيث إن تجربة السماع الموسيقية المستجدة غير المسبوقة أمست في الآونة الأخيرة مريرة. فما أن تخطر في البال مقطوعة أو تحنّ الأذن إلى أغنية، حتى يسارع المرء إلى اليوتيوب، يُمسك بالمحمول، يلج التطبيق، يبحث عن العنوان، يقع إبهامه على واحدٍ من بين مئات الفيديوهات المرفوعة، يختار من بينها ما كان لمؤديه المُفضل، أو قد يكون مقطعاً من أمسية تحمل إليه ذكرى ماضية، ينقر عليه بلهفة، وإذا بإعلان معجون أسنان يلعلع، أو دعاية صابون للغسيل يُزيل الشوق وجرعة الحنين واللهفة إلى نشوة الطرب.

لن تقف الإعلانات على أعتاب الفيديو، ولن تكتفي بإفساد البداية، فكلما اتسعت جماهيريته وعلا شأن صاحبه، زاد اليوتيوب من فُرص تعكير صفو مشاهدته والاستماع إليه؛ فهُنالك أيضاً سلسلة من الإعلانات البينية دُسّت عشوائياً ضمن الفيديو الواحد، كانت تظهر في السابق على شكل نُقط صُفر على مؤشر السير أسفل الشاشة، تجري اليوم عملية إخفائها كي لا يمكن القفز فوقها بغية تجاوزها، غالباً ما تظهر للعين في أشدّ اللحظات المؤثرة شجناً وعاطفة، وأكثرها درّاً للمشاعر والأحاسيس.

خلافاً لمواقع الإنترنت الأخرى والتطبيقات المُختصة بالموسيقى، كـ سبوتيفاي وساوند كلاود وآي تيون، انطلق اليوتيوب (المملوك من شركة غوغل) بالأساس كمنصة حُرّة لرفع وبث مقاطع فيديو مصورة أغلبها هاوٍ ومنزلي، موفّراً مجانية الخدمة وآنية الولوج بها، حيث لا تتطلب بالضرورة إنشاء حساب أو تسجيل دخول. إلا أنه سرعان ما تحوّل إلى منصة تداول للموسيقى واسعة الشعبية، أتاحت لمُتابعيها ليس الاستماع المجاني المُنفلت من قيود حقوق النشر وحسب، بل وأيضاً رفع مقاطع موسيقية خاصة بهم، إضافة مادة مرئية عليها، دمجها وتنضيدها ضمن لوائح استماع، والمشاركة الاجتماعية عبر الضغط  بـ - أو - عدم الإعجاب بها، والتعليق عليها.

شمولية الموقع وتشعّب مناحي تأثيره بزواره، الذين قد يتجاوز عددهم أكثر من 30 مليوناً في اليوم الواحد وعدد المواد التي تشاهد بما يزيد عن الخمسة بلايين، جعلت منه مجالاً حيوياً لبثّ الإعلانات، لتغدو بدورها من مصادر عائداته الأساسية. موسيقياً، حافظ يوتيوب على جاذبيته عبر حُسن اللعب على مسألة الحقوق الفكرية.

فمن جهة، يضطلع الموقع بمسؤوليته إزاء إزالة أي محتوى محميٍّ قانوناً، مرفوع من دون موافقة مالكه فور اعتراضه. من جهة أخرى، مستغلاً جماهريته، يضع مُلّاك الحقوق أمام خيارين؛ إما حجب المنتج الفكري عن بلايين البشر، أو القبول بالتغاضي عن نشره لقاء توسم الأمل بحجم المشاهدة وسعة الانتشار.

إلا أن المنصة في الآونة الأخيرة، باتت ترزح تحت ضغوط تُمارسها قوى المجتمع المدني وحتى المؤسسات السياسية والقانونية والإعلامية التقليدية. فعلاوة على تجاهله، أو استغلاله، مسألة حقوق الملكية الفكرية، وبالتالي، تقويضه غير المباشر للصناعة الفنية، يُتّهم الموقع أيضاً بغضّه الطرف عن رفع مواد ذات محتوى مُثير للغرائز ومحرَّض على العنف والكراهية، بل والأكثر من ذلك؛ إيكاله إلى اللوغاريتمات، عبر ما بات يُعرف بآلية "التعلم المُعمّق" Deep Learning، مهمة رصد ميول المستهلك وأهوائه. حيث يقوم الحاسوب وفقها بتوجيه خيارات المشاهدة عبر اقتراحٍ آليٍّ لمقاطع شبيهة وذات صلة، ليضخ محتوى بعينه دون غيره مُستهدفاً من ينشده ويتطلع إليه، وذلك بغية زيادة عوائد الموقع الربحية عن طريق رفع نسب المشاهدة والمشاركة الجماهيرية.

تحوّل السماع في عموم المنطقة العربية إلى سوق سوداء

 

خذ مثلاً قضية اليوتيوبيّ السويدي فيليكس كجيلبيرغ  Felix Kjellberg  النجم المعروف بـ بيو دي باي PewDiePie صاحب إحدى القنوات الأكثر رواجاً على الموقع بعدد مُنتسبين تجاوز الـ 54 مليوناً. فبعد نشر تحقيق لصحيفة الوول ستريت جورنال عن تبني كجيلبيرغ من خلال مرفوعاته خطاباً فاشيّاً ورموزاً تُحرّض على العنف، ما حدا بموقع اليوتيوب لأن يوقف تعامله معه متكبداً خسارة الملايين من متابعيه. أضف إلى ذلك، مؤخراً، التوتر العرقي والحرب الثقافية داخل الولايات المتحدة، والسجال المُحتدم في أجوائها، حول ضرورة تنظيم عمل السوشيال ميديا في رحاب الإنترنت، وترشيد دورها ضمن الفضاءين الخاص والعام.

ضغوط مالية، مؤسسيّة ومجتمعية باتت تدفع يوتيوب، في ما يبدو، أمام مآلات تقلّص الإيرادات، إلى تغيير نمطه التجاري Business Model من منصة بثٍّ مشاع إلى أخرى تعمل بخدمة الاشتراك مقابل رسم شهري. بتسديده، يحظى المشترك، إلى جانب بضع امتيازات إضافية، بمتعة مشاهدة المواد المرفوعة خالية من الفواصل الإعلانية. بهذا، ينحو اليوتيوب، بجزء منه على الأقل، نحو سائر المواقع الخاصة بالمُنتسبين Subscribers.

ينسجم هذا التوجه مع ما نقلته شبكة بلومبيرغ منذ نحو عامين عن إقرار الإداري المعني بالمحتوى الموسيقي في يوتيوب ليور كوهن في حوار كان قد أجراه خلال تظاهرة "ساوث" ضمن فعاليات مهرجانات "ساوث ويست Southwest Festivals" الموسيقية الأميركية، حيث أفصح عن عزم الموقع تعمّد إغاظة جمهور المتابعين عن طريق إفساد متعة المشاهدة أو الاستماع، وذلك بإقحامه الفواصل الدعائية على نحو متواصل وعشوائي، بقصد دفعهم نحو تفعيل خدمة الاشتراك الشهري، خلاصاً من الإعلان.

وكأنما الآمال، في العالم العربي وحول العالم، بمعين موسيقي غنائي مجاني، مُعولم وشامل أمست اليوم أضغاث أحلام، وذلك في ضوء انتقال الإنترنت من عهد العمومية عملاً بمبدأ الدمقرطة Democratisation إلى عهد الخصوصية عملاً بمبدأ تحقيق الدخل Monetisation، لتُسلّع المادة الموسيقية مرّة أخرى وتعود من جديد حكراً على من يملك المال. طالما ظلّ إنتاجه صناعة ونشره تجارة تقتضي تخصيص أجور للعاملين وصيانة حقوق المبدعين وزيادة عوائد المُنتجين والمُسوّقين، فإن الفن سيعود بالضرورة إلى داخل الحلقة الاستهلاكية المُغلقة. في أفق الإنترنت، ما بين سطوة الدولة وسلعة السوق، لا تلوح أمام السمّيعة أي طريق ثالثة.

دلالات