موسم دراسي بوجوه مقنّعة

17 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

يَحُلُّ الموسم الدراسي الجديد في زمن كورونا، بعدما عرف النصف الثاني من السنة الماضية اضطرابا كثيرا، بسبب تفشي الوباء في العالم، ودخول مجتمعاتٍ كثيرة في الحجر الصحِّي، وإغلاق المدارس والمعاهد والجامعات، قَصد محاصرة الوباء. ويدفعنا حلول الموسم الدراسي الجديد إلى التساؤل: كيف يمكن تدبير الحياة الدراسية في مجتمعاتٍ تعاني من انتشار وباءٍ، تستدعي الوقاية منه التباعد وعدم الاختلاط؟

يعود الموسم الدراسي في زمنٍ تواجه فيه مجتمعاتنا أزمة صحيّة، ركَّبت جملةً من التحدّيات، حيث تَمَّ التراجع عن قرارات الحجر الصحّي، وإقرار إجراءاتٍ تقضي بالتعايُش مع الوباء. فُتحت المدارس والجامعات والمطاعم والمصانع بحساباتٍ تلزم الجميع بالتكيف مع أشكال تطوُّر انتشار اﻠفيروس في الجهات، الأمر الذي يؤدّي إلى ضرورة تنويع الخيارات، حسب درجات تطوُّر الوضعية الوبائية، والعمل على تغييرها إن اقتضى الحال ذلك. فكيف سينطلق الموسم الدراسي في وضع مماثِل؟ وهل يمكن تدارُك مخلفات الانقطاع الدراسي الحاصل في السنة الماضية، سنة بداية الجائحة والحجْر الصحّي، ومختلف الآثار التي صاحبت سنة أولى وباء، بكل أشكال الانكسار الذي ألحقته بنظام عيش الأسر، وأشكال إدارتها عمليات تعليم أبنائها؟

يعاني نظامنا التعليمي من عِلَل بنيوية عديدة، تتمثَّل في تعدُّد أنماطه ومناهجه، كما تتمثَّل في أشكال ابتعاده عن مقتضيات سوق الشغل ومتطلباته

وجد التلاميذ والآباء أنفسهم أمام سنة دراسية جديدة تطرح تحدّيات كبيرة على فضاءات مؤسسات التربية والتعليم. وفي مجتمعنا، حيث يعاني نظامنا التعليمي من عِلَل بنيوية عديدة، تتمثَّل في تعدُّد أنماطه ومناهجه، كما تتمثَّل في أشكال ابتعاده عن مقتضيات سوق الشغل ومتطلباته، وأنماط التنمية القائمة والمتعثِّرة، إضافة إلى الفجوات التي تعمَّقت بين التعليمين العمومي والخاص، حيث أصبح للأخير حضور واسع في مجتمعنا، فكيف نُواجه كل ما ذكرنا، ونضيف إليه تحدّيات الوباء وإكراهاته؟

تعاني المدارس والجامعات في بلادنا من اكتظاظ لا يُسْعِف بتعليم طبيعي في الظروف العادية، فكيف يمكن أن يقوم التعليم في فصول متوسط عدد تلاميذها في الابتدائي والإعدادي يفوق الأربعين؟ وكيف يتم التعليم في مدارس القرى والمدارس المعزولة في المناطق النائية، وهذه الأخيرة لا تُوَفِّر الحد الأدنى من شروط النظافة، ولا الحدّ المطلوب من شروط التجهيز، وذلك من دون الحديث عن شروط التدابير والإجراءات الوقائية المتصلة بالوباء ومتطلَّباته. 

فوجئ الرأي العام المغربي بقرار تَطْلُب فيه وزارة التربية من الآباء الاختيار بين التعليم الحضوري، الذي يتطلب العودة إلى المدارس، والتعليم عن بُعْد، وهو التعليم الذي تُسْتَخْدَم فيه الوسائط التقنية الجديدة، حيث تُقَدَّم الدروس والتمارين للتلاميذ بواسطة القنوات التلفزية التعليمية، ويتم استخدام تقنيات التواصل الجديدة، قصد التفاعل مع الأساتذة والمعلمين بالوسائل التي توفِّرها، وذلك في إطار مقتضيات تُلْزِمُ الدولة كما تلزم الأسر بإعداد الوسائط التي يقتضيها هذا النمط من التعليم. وإذا كنا نعتبر أن هذا القرار الذي يمنح الآباء إمكانية الاختيار بين أمرين، التعليم الحضوري والتعليم عن بُعْد، يثير كل منهما صعوباتٍ تدفع إلى اختيار واحد منهما، أو التخلي عنهما معاً.. فإن ذلك يأتي من دون ربط الخيارين بالشروط الضامنة لنجاعة كل منهما.

تخلّى المسؤولون في سياق وضعية وبائية معقَّدة، عن اتخاذ الإجراء المناسب وتركوا الأمر للآباء!

كان في وسع الوزارة المسؤولة عن السياسة التعليمية، واللجان المختصَّة التي أَوْكَلَت لها الحكومة متابعة وباء كورونا، أن تفكّر في خيارات أخرى مناسبة لواقعنا التعليمي، أي ربط الخيارات المقترحة بالمعطيات الفعلية لبنية مؤسساتنا التعليمية، وربطها كذلك بدرجات التدريب على آليات التعليم عن بُعْد، بمختلف التقنيات الجديدة التي تتطلبها، وهو الأمر الذي لم يحصل، فقد تَخَلَّى المسؤولون في سياق وضعية وبائية معقَّدة، عن اتخاذ الإجراء المناسب وتركوا الأمر للآباء. ولأن الآباء يعانون في مجتمعنا من بؤس نظام تعليمي يفتقر إلى المؤسسات والتجهيزات الأولية، ويجري فيه التنافس منذ سنوات بين التعليم الحُرّ الذي يزداد اتساعاً على حساب المدرسة العمومية، وهو التعليم الذي يَستنزف من الأسر أموالاً كبيرة من أجل تعليم أبنائها، والتعليم العمومي الذي تفتقر كثير من مؤسساته إلى الشروط الدنيا للتعليم، فقد وجدوا أنفسهم في بداية هذه السنة أمام وضع وبائي تزداد درجات تفشّيه في مجتمعنا، بشكلٍ يمنع إمكانية وضع خيار واحد، الأمر الذي دفع المسؤولين في القطاع إلى خيارات مَرِنَةٍ ومفتوحة، ومُناسِبة لمستويات انتشار الوباء، ليرتِّبوا في ضوئها طريقة عملهم، فَتَمَّ إقرار مبدأ التفويج، أي تنظيم التلاميذ في أعداد صغيرة وتقليص مواد التدريس، وترتيب يوم دراسي جديد بتوقيت مختلف، يسمح بتنفيذ إجراءاتٍ تناسب مستويات انتشار الوباء، فتحوَّل الموسم الدراسي الجديد إلى مجالٍ لتجريب طرق ووسائل لا يعرف أحدٌ النتائج التي ستؤدي إليها. وقد لوحظ أنه، وسط هذا الدخول المضطرب، تَمَّ الإعلان عن إدخال الدار البيضاء، وهي أكبر مدن المغرب، في الحجر الصحي أسبوعين قابلين للتمديد، حيث لم تُفْتَح فيها المدارس والجامعات، ولم يبدأ الموسم الدراسي في الموعد المقرَّر بسبب تزايُد تفشي الوباء.

تساهم ظروف الوباء في إلحاق ضرباتٍ قويةٍ بنظام للتعليم لا يستجيب لتطلُّعات الأجيال الجديدة

لا أحد يستطيع اليوم أن يتوقع ما سيحصل في الموسم الدراسي الجديد. وإذا كانت المجتمعات الأوروبية قد عملت على تخفيض حجم الكثافة الطلابية داخل الفصول، مع متابعة قوية لمستويات تطوُّر الوباء، حيث يتوقع خبراؤها إمكانية حصول متغيِّرات في الموسم الدراسي، في ضوء ما سيعرفه الوضع الوبائي في فصل الشتاء، فإن ما يجري في مجتمعنا الذي تنعدم فيه شروط النظافة الدنيا، في مدارس كثيرة معزولة في الجبال والسهول، فلا أحد يعرف ما ستؤول إليه أوضاع التلاميذ والمعلمين. أما التعليم عن بُعْد، فإن ما يجري في موضوعه منذ تفشي الوباء وإغلاق المدارس والجامعات، سواء في أشهر انقطاع الدراسة السنة الماضية أو اليوم، فإننا نتصوَّر أنه لا يعدو أن يكون مجرّد تمرين أوَّلي في التدريب على التعليم عن بُعْد، حيث تساهم ظروف الوباء في إلحاق ضرباتٍ قويةٍ بنظام للتعليم لا يستجيب لتطلُّعات الأجيال الجديدة وآمالها.