موسم انتهاك الحريات في لبنان يستهدف الصحافيين والناشطين

09 أكتوبر 2015
الصورة
تخوّف سائد لبنانياً من تراجع مناخ الحريّات العامّة(حسين بيضون)
يسود شعور عام بين اللبنانيين بتراجع مؤشرات الحريات العامة، خصوصاً بعد القمع الذي تعرّض له الحراك الشعبي، والاعتقالات التي طالت العشرات من الناشطين ومنهم قُصّر. يتزامن ذلك مع رمي قوى الأمن الداخلي ووزير الداخلية، نهاد المشنوق، التهمة على المتظاهرين، الذين رأى المشنوق أنهم يُحبون أن يُضربوا. تطوّر الأمر مع إخلاء رجال الأمن الساحة أمام مجموعات تابعة لإحدى المليشيات للاعتداء على المتظاهرين. لكنّ الحالة الأكثر خطورة في سياق ضيق مساحة الحريات العامة في لبنان، هي صدور حكم قضائي بسجن الصحافي، محمد نزال، بسبب تعليق كتبه على صفحته على موقع "فيسبوك" والذي اعتبره القاضي "إساءة للقضاء". يُعدّ هذا الأمر سابقة خطيرة، إذ إنه الحالة الأولى منذ انتهاء الحرب الأهلية، التي يُقرّر فيها القضاء سجن صحافي، بحسب مدير مكتب الرصد في مؤسسة "مهارات" المعنية بالحريات الصحافية، المحامي طوني مخايل، في اتصال مع "العربي الجديد".

ترافق هذا الحكم مع قضايا أخرى، مثل إدانة الشاب ميشال الدويهي بسبب تعليق كتبه على
"فيسبوك" أيضاً، والتحقيق مع الصحافي، محمد زبيب، بسبب نشره صورة شيك مصرفي لمبلغ تقاضاه وزير الداخلية من بنك المدينة، واعتقال الناشط، أسعد ذبيان، بتهمة "تحقير العلم اللبناني" بعدما كتب شعار حملة "طلعت ريحتكم" على حائط وزارة الداخلية، ورُسم عليه العلم، ومحاكمة المواطن، صلاح نورالدين، بسبب اتهامه رئيس مجلس النواب بالفساد عبر لافتةٍ حملها في الشارع.

يتفق نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، نديم حوري، في حديث مع"العربي الجديد"، مع التخوّف السائد لبنانياً من تراجع مناخ الحريّات العامّة. يستعمل حوري توصيفاً دقيقاً عندما يقول إن "المخيف هو الاستعانة بالقضاء لإسكات منتقدي السلطة السياسية والقضائية والأمنية". ويلفت إلى وجود نوع من الاستسهال لدى تقديم الدعاوى من قبل بعض المسؤولين السياسيين، وحتى عند القضاء، إذ لا يُحدّد الادعاء العام معايير للقبول والسير في الدعاوى.

ويتحدّث حوري عن وجود مواد قانونية فضفاضة في قانون العقوبات اللبناني، مشيراً إلى أن الرهان كان على القضاة لتفسير هذه المواد بما يتوافق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتزامات لبنان تجاه المواثيق الدوليّة، لكن برأيه أن الأمور لم تسر في هذا السياق.
ويذكر أمثلةً، من نوع سجن استخبارات الجيش اللبناني سيدتين، ادعتا أنهما تعرضتا للتعذيب خلال احتجازهما عند الاستخبارات. وهذا ما يفتح الباب أمام المحكمة العسكرية، التي يُحاكم أمام مدنيون في لبنان، "كما أن دور المحكمة العسكرية في قضايا لها علاقة بالحريات العامة في ازدياد".

الخطير، برأي حوري، هو استخدام القضاء للحدّ من الحريات العامّة، ولدفع اللبنانيين إلى فرض رقابة ذاتية على ما يكتبونه على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً في حالة الأجهزة
الأمنيّة والقضائية. ويُشير حوري إلى أن هذا الأمر، بات واقعاً، إذ إن هناك مواضيع يتجنب اللبنانيون تناولها عبر وسائل التواصل. ويتساءل حوري عن المبرر في ملاحقة المواطنين، الذين يتهمون النواب والسلطة السياسية بالفساد، في الوقت الذي يقول فيه النواب عن زملائهم بأنهم "سارقون".

متابعة حوري لانتهاكات حقوق الانسان، في لبنان، تدفعه إلى اعتبار أن أخطر ما في لبنان هو أن "مبدأ الإفلات من العقاب متجذر، وعدم الجدية في المتابعة يؤدي إلى مزيد من الانتهاكات". ويلفت حوري إلى أن القضاء لا يصدر أي بيان لجهة متابعة التحقيقات في هذه القضايا، وهو ما يؤدي إلى تعميم "مناخ الإفلات من العقاب وأن المؤسسات الأمنية فوق المحاسبة". ويعتقد حوري أن التعدد في الأجهزة الأمنية، يُساهم في هذا الأمر.

يعتبر حوري أن نقد القوى السياسيّة في لبنان أسهل من نقد الأجهزة الأمنيّة والقضائية، بسبب
تعدد القوى السياسيّة. ويؤدي ذلك برأيه إلى غياب الانتقاد في وسائل الإعلام والمجتمع المدني للانتهاكات، التي تتعرض لها الفئات المستضعفة، مثل اللاجئين السوريين والعمال الأجانب وبعض الفئات اللبنانية، كما تجري ملاحقة من هو غير محمي من القوى السياسيّة. لكن الإيجابي، بالنسبة إلى حوري، هو أن هناك إضاءة واعتراضاً على هذه الانتهاكات في المرحلة الحالية.

اقرأ أيضاً: صحافيون أهداف لمدافع المياه وأعمال الشغب

يتفق الصحافي، محمد زبيب، مع حوري في ما يتعلق بوجود إضاءة على الانتهاكات. وبرأي زبيب، إحدى نتائج الحراك الشعبي، تتجسد في تحويل الملاحقات والانتهاكات إلى قضايا رأي عام، بحسب ما يراه، في حديث مع"العربي الجديد". ويُحاكم زبيب حالياً بدعوى رفعها وزير الداخليّة والبلديات، نهاد المشنوق، بسبب نشره "وثيقة على فيسبوك تربط المشنوق بفضيحة بنك المدينة عام 2002". ويلفت زبيب إلى أنه بدل أن يتحرك القضاء للتحقيق في الشبهة المتعلقة بتقاضي الأموال، تجاوب مع إخبار رفع له من قبل مكتب مكافحة الجريمة الإلكترونية. ويرسم زبيب السياق الزمني للأحداث، للإشارة إلى عدد من المخالفات التي جرت. فوزير الداخلية "كلف جهازاً يتبع له إدارياً (مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية) بأن يقدم إخباراً للنيابة العامة التمييزية، فنفذ المكتب الأوامر من دون الاستناد إلى القانون، إذ إن ورقة الإخبار تستند إلى أنني خالفت قانون السرية المصرفية بنشر الشيك، وبالتالي يفترض ملاحقتي، وهو أمر غير صحيح إن لجهة أن الشيك لا يُعد جزءاً من السرية المصرفية، أو لأنني غير مؤتمن على حماية السرية المصرفية فأنا صحافي ولست موظف بنك".

يُكمل زبيب بالإشارة إلى ضغوط تعرض لها القضاء، الذي كان يُفترض به أن يضع الإخبار جانباً، "كون السرية المصرفية والقدح والذم لا يتم التحقيق فيها إلا إذا تم تقديم شكوى شخصية". هذا ما دفع المشنوق إلى رفع دعوى شخصية بالقدح والذم والتحقير، وليس بخرق السرية المصرفية كما كانت النية وكما ذكر إخبار مكتب مكافحة الجرائم الإلكترونية.
زبيب نشر هذه الوثيقة في 16 سبتمبر/أيلول الماضي، أي عندما كانت القوى الأمنيّة تقمع المتظاهرين، وذلك في سياق إدانة العنف وربطه بالمشنوق. ويُشير زبيب إلى أن هذه الحالات ليست جديدة، بل الجديد هو أنه "وسط الحراك الشعبي، هناك إمكانية وفرصة لجعلها قضية رأي عام لكن هذا السلوك موجود أصلاً إذ ثمة شباب انتقدوا الرئيس السابق، ميشال سليمان، وآخرون أجبروا على توقيع تعهدات بالامتناع عن كتابة انتقادات سياسية عبر وسائل التواصل، وحالات تعسف على مدار السنوات الماضية، وكان (النظام) يتواطأ مع وسائل الإعلام ورضوخها لهذه السلطة (وعلاقة مموليها بالسلطة)، ويمرر هذه القضايا من دون رقابة". لذلك، يرى زبيب أن أهمية الحراك الشعبي أنه يحوّلها إلى قضايا رأي عام، تُربك السلطة وتضطرها إلى ردات فعل لا تكون غالباً ذكية، إذ إن هذه السلطة اعتادت على انتهاك حقوق اللبنانيين من دون أية محاسبة.

يتقاطع كلام الصحافي محمد زبيب عن ارتباط السلطة، مع حديث الناشط أسعد ذبيان، الذي

اعتقل، يوم الثلاثاء الماضي، بتهمة تحقير العلم اللبناني. يُشير ذبيان، لـ"العربي الجديد"، إلى وجود ارتباك كبير بين الضباط عند اعتقاله، فقط تفاجأ عدد منهم بهذه الخطوة، "وأرادوا إطلاق سراحي بأسرع وقت، للتخلص من النتائج المترتبة على التوقيف". ذبيان، الذي سبق أن أوقف مرة سابقة خلال الحراك الشعبي، وقّع سند كفالة قبل إطلاق سراحه، وهو ما يعني استمرار ملاحقته أمام القضاء. ويلفت ذبيان إلى تزايد الدعاوى المتعلقة بحرية الرأي، وإلى مراقبة وسائل التواصل، وهي مؤشرات على تخبط النظام في لبنان، كما يقول.

انتهاك حقوق الإنسان ليس جديداً في لبنان. فالكثير من المنظمات الدوليّة يتحدث عنه، إن لجهة وجود تعذيب في السجون اللبنانية ومراكز التوقيف، وهو ما وُثق مؤخراً بفيديوهات من سجن رومية المركزي، أو لناحية توقيف المئات لسنوات من دون محاكمات، أو التمييز بين المواطنين في تطبيق القوانين. لكن الخطر المستجد، هو التضييق على الصحافيين، عبر السحب التدريجي لحصانة النشر التي يوفرها القانون، عبر استخدام محكمة المطبوعات سيفاً مسلطاً على رؤوس الصحافيين، من خلال أحكام بدفع تعويضات مالية. وفي بعض الحالات يُقر القضاة بأن الصحافيين التزموا الشروط المهنية، ويشيدون بهذا الأمر، ومع ذلك يُصدرون الأحكام بإدانتهم. وحالة الزميلة رشا أبو زكي خير شاهدٍ. أما العودة إلى سجن الصحافيين، فهو تقليد يستعيده لبنان في زمن ثورات الربيع العربي.


اقرأ أيضاً: الإعلام اللبناني منقسماً بين السلطة والشعب