موسم النمور الورقية
في كل عام تهب في رمضان عاصفة من المسلسلات العربية، والتركية أيضاً، تصيبك بالحيرة، وتنصب شباكها حولك، فلا تدري إلى أي جهةٍ تهرب منها، سواء كنت في البيت، أو العمل، أو المقاهي، أو الجلسات، أو الأسواق، في كل مكان، وفي أي زمانٍ، ستلاحقك المسلسلات بلا استئذان، فإن لم تكُن من متابعيها، فأنت غريب الأطوار في نظر مدمنيها.
من المهم البحث عن العامل المشترك بين موجة المسلسلات التي تضربنا في شهر رمضان من كل عام، فجلها يقوم على ذكاءٍ وإتقان للحبكات، واستخدام مقعر للتاريخ، بمساندة لغة بيضاء، أو من خلال إسقاط واقع مُر على ماضٍ أمرّ، مقابل نسيان الحاضر، وإغفال المستقبل المنتظر، وهذا، بطبيعة الحال، مخالف لطبيعة أحد الأدوار الأساسية المنتظرة من الأعمال التلفزيونية، كونها رافداً من روافد الإنتاج الثقافي التي تسهم في تشكيل الوعي والموقف العام في المجتمع.
أبطال وفرسان لا يشق لهم غبار، أفكار وخطط ومعارك شيمتها الانتصار، أو تبحث عنه، أسلحة مشرعة دوماً فوق رؤوس الأعداء، حلول ترضي الأطراف كلها، بعد مطّ وتطويل في الإحداث. فعلاً، من الغريب أن نجد كتابنا يودون العودة إلى الماضي، لا حباً بدراسته، بل كرهاً بالحاضر الذي يضعهم أمام مسؤولياتهم، وهرباً منه، ومن مشكلاتٍ تصاغروا أمام إيجاد معالجات درامية، تفيها ما تستحق.
تأخذك الأحداث، وتعايشها يومياً على مدار ثلاثين حلقة، لتصل، في النهاية، إلى حبكة رومانسيةٍ، لا حل لها، يحيلها الكاتب والممثلون إلى المتابع، والمتابع بدوره يحيلها إلى خياله، وإلى حالة تشكيل وعيه، وربما تحضر بقوة في خطابه، ويتمنى على إثرها العودة إلى ماضي الزمن الجميل، بفعل تأثير أسلوب الكاتب الطوباوي، في مقابل وأد الحاضر، فالتفكير فيه، وفق كتابنا وممثلينا، وحكوماتنا ووزرائنا، ونوابنا وأعياننا، ممنوع لا يجب تعاطيه، فهو، كالهيروين والأفيون، يعاقب عليه القانون!