موسم التهجير إلى الشمال السوري

08 ابريل 2018
+ الخط -
التهجير من الغوطة الشرقية
بات التهجير السمة الأبرز اليوم للحياة بالغوطة الشرقية.. فتعداد القوافل المقلة لمدنيي المدينة في تزايد، والقافلة الثالثة عشرة من المهجرين وصلت لمحافظتي إدلب وحلب الشماليتين من سورية، بالإضافة إلى انضمام مدينة دوما إلى المدن المهجرة من الغوطة.

وبوصول القافلة الثالثة عشرة يكون عدد المهجرين قسرا من الغوطة الشرقية قد تجاوز 46 ألف نازح بحسب ما نقلته بعض وسائل الإعلام الدولية.

ويعيش النازحون من الغوطة الشرقية أوضاعا إنسانية صعبة خاصة مع امتلاء مراكز الإيواء الخاصة بهم.. مما جعل البعض يأوي إلى مدارس ومساجد محافظتي إدلب وحلب.

كما سيفاقم ملف المصابين من المهجرين من المعاناة وخاصة مع إعلان نظام الأسد وحليفته موسكو السماح بإجلاء المصابين والجرحى من مدينة دوما والتي لم يتضمنها اتفاق التهجير الأول بين موسكو وفصائل المعارضة السورية.

وأعلن منسقو الاستجابة في شمال سورية يوم الاثنين الماضي وصول 21 حافلة قادمة من دوما تقل 1141 شخصا من بينهم أطفال ونساء من ضمن الحالات الصحية تمت معالجتها.


ثم خرجت 24 حافلة تقل 1089 شخصا من مدينة دوما وهم من تبقى من مقاتلي فيلق الرحمان وعوائلهم كانوا عالقين بالمدينة المحاصرة بالغوطة الشرقية.

علاقة التهجير بالتغيير الديمغرافي
بحسب العديد من المحللين السياسيين السوريين وغيرهم فإنه لا يخفى على أحد سعي نظام الأسد وحليفته طهران لتغيير الحاضنة الشعبية لسكان الغوطة الشرقية الذين يقدرون بأقل من نصف مليون ساكن أغلبهم من الطائفة السنية وهي المدينة ذاتها التي طالما استعصت على نظام الأسد وطهران وحوصرت لخمس سنوات منذ اندلاع شرارة الثورة السورية في مارس/ آذار 2011.

اليوم بعدما لحقت الغوطة الشرقية بحلب التي سقطت في 2016 يعاد مسلسل التهجير ذاته فيهجر سنتها ليستبدلوا بنسيج شيعي، وتنضم الغوطة إلى ركب المدن التي تخضع للنفوذ الإيراني كحال العاصمة دمشق وبغداد وصنعاء وحلب.

دليل آخر استشهد به المحللون للحالة السورية، وهو اتباع نفس الاستراتيجية، استراتيجية التدمير والتهجير في الغوطة الشرقية كحال ريف دمشق الذي تحول من 4 ملايين ساكن سني إلى مليون ساكن مهددين بالتهجير في أية لحظة من قبل النظام ومقاتلي إيران.

وهو ما يوصلنا في الأخير إلى أن التهجير يأتي ضمن خطة ممنهجة وربما اتفاق إيراني مع نظام الأسد منذ بداية التدخل الإيراني في سورية نصرة للنظام البعثي، وها هي طهران تحصد ثمار حصادها في سورية؟

مواقف الأطراف الفاعلة في سورية من التهجير
1. الموقف الروسي

الطرف الأقوى في المعادلة وهي التي رمت بالقرار الأممي 2041 القاضي بوقف القتال لمدة ثلاثين يوما، كهدنة إنسانية عرض الحائط، واستبدلته بهدنة خمس ساعات ولم تلزمها هي الأخرى، فواصلت حمام الدم بمدينة الغوطة الشرقية بدعم من حليفها الأسد، قبل اتفاقها الأخير مع فصائل المعارضة السورية وتم بموجبه السماح بإجلاء أهالي الغوطة إلى الشمال السوري، كما تم تسليم الغوطة الشرقية آخر المعاقل المعارضة لنظام الأسد وحليفته موسكو، ليبدأ الفصل الثاني من المعاناة والأزمة تحت عنوان الهجرة إلى الشمال السوري بتوقيع روسي.

2. الموقف الأميركي
ترامب رجل مال واقتصاد وقد أجر البيت الأبيض لمن يدفع أكثر وقالها صراحة بعد أيام من إعلان قرب انسحاب قواته من سورية، إذا أراد الخليج بقاءنا في سورية فعليه أن يدفع لنا المال.

كلمات لا تحتاج شرحا، إذا أردت شيئا عليك أن تدفع مقابله أموالا للسيد ترامب، فالولايات المتحدة لاهية في نظامها الرأسمالي المتجدد وربما قد تنازلت عن جزء كبير من الصراع على سورية لصالح الروس، وليس بدون مقابل ربما على موسكو التغطية على فضائح انتخابات البيت الأبيض والتشكيك في فوز ترامب بالنتيجة النهائية من عدمه.

كما أن الولايات المتحدة لم تعد تبالي كثيرا ببقاء الأسد من عدمه هو الآخر لديه المال وقد يدفع لترامب، فيتغاضى عن مجازره وتهجيره للسوريين واستقواء طهران في سورية.

3. الموقف التركي
التهديد بوجود دولة كردية على حدود تركيا ومليشيات عفرين ومنبج جعلت نظام تركيا في موقف لا يحسد عليه وإن كانت بلاده احتضنت القمة الثلاثية الأخيرة حول سورية في غياب سورية بالتزامن مع مسلسل التهجير إلى الشمال السوري.

كل تلك المشاكل التي تمر بها تركيا جعلت نظام أردوغان بين خيارين: أحلاهما مر إما الدخول في التفاهمات والتسويات مع موسكو وطهران وحماية تركيا نفسها، أو اللعب بالنار والدخول في معترك الثورة السورية وحربها مباشرة وذلك كان سيكلف تركيا كثيرا.

4. الموقف العربي من التهجير
الطرفان الأقوى في السياسة العربية آنيا وعلى مر العصور هما السعودية مملكة محمد بن سلمان الجديدة ومشاكلها في اليمن، ناهيك عن رغبتها في التصالح مع الأسد نفسه وقد جاء ذالك على لسان ولي العهد السعودي خلال تواجده بواشنطن حين دعا الأسد للخروج من العباءة الإيرانية معلنا أن المملكة لم تعد تمانع في بقائه في السلطة في تغير واضح في الموقف السعودي من الأزمة السورية، وهو ما قد يجعل الأسد يزداد شراسة وتهجيرا للطائفة السنية بسورية، فالمملكة راعية السنة في العالم الإسلامي لاهية في مشاكلها الداخلية والخارجية.

الطرف الثاني هو مصر أكبر بلد عربي من حيث السكان والتاريخ ونظامها هو أقرب لبشار الأسد، فالطيور على أشكالها تقع، السيسي لا يهمه ما يفعله الأسد أو إيران من تهجير سكان سورية وتغيير حاضنتها السنية ما دام لم يشكك في شرعيته وموسكو عليه راضية.

أما بقية العرب السنة فكل يغني على ليلاه وليس لديهم ذلك التأثير الذي تمتلكه مصر أو السعودية في العالم العربي، كل تلك الظروف والمواقف السياسية هي ظروف مهيأة للتهجير والتغيير الديمغرافي لسكان سورية، وإيران ونظام الأسد يعلمان ذلك جيدا.. إما الآن أو فلا.

توقفت تراجيديا الغوطة ومن قبلها حلب وريف دمشق ليبدأ مسلسل التغريبة السورية أسوة بشقيقتها الفلسطينية مع فارق التوقيت والظرفية والفاعل.. الآن بدأ موسم التهجير إلى الشمال السوري.. فمتى سيتوقف التهجير في سورية؟