موسم الأصوات

06 مايو 2018
الصورة
+ الخط -
شارف موسم الانتخابات العربية على نهايته، في لبنان وتونس والعراق، والأصوات السياسية الوديعة التي كنا نسمعها على مدار الأسابيع الماضية، ومعها الكم الهائل من السخاء، ستنتهي صلاحيتها قريباً، لتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل أشهر، استغلال وفساد ومحسوبية وغيرها من العناوين التي يشتهر بها السياسيون العرب.
يصوت اللبنانيون اليوم لانتخاب برلمانهم بعد طول انتظار، غير أن الحملات الانتخابية لم تكن عرساً ديمقراطياً كما كان ينبغي لها أن تكون، بل تحولت إلى حملة تحشيد طائفي غير مسبوقة، خصوصاً بين السنّة والشيعة، بعدما قسم القانون الانتخابي الجديد الأصوات بحسب المذاهب، بفعل إدخال ما سمي "الصوت التفضيلي" على القانون النسبي. اختراع لبناني خاص استطاع الدمج بين النسبية والتصويت الطائفي الذي كان مطروحاً ضمن القانون الأرثوذكسي. اختراع أدى إلى حالة من التجييش، استمرت تداعياته ساعات ما قبل الانتخابات، وانعكس مواجهات بالأيدي وإطلاق نار في عدد من المناطق اللبنانية، ليس في ما بين الطوائف، بل حتى داخل الطائفة نفسها.
غداً سيكون الموسم الانتخابي قد انتهى، وحصل كل طرفٍ على ما كان يصبو إليه من أصوات، غير أن التداعيات التي رافقت العملية الانتخابية لن تنتهي سريعاً، وأصداء النتائج سيكون لها انعكاسات أيضاً على الأرض، خصوصاً في حال حصل ما تخشاه الأطراف من اختراقات أو خسارة مقاعد ذات لون طائفي معين، وهو ما دفع بالأساس إلى هذا الكم من التحريض الذي وصل إلى حد وصف الخصوم بأنهم "دواعش" أو داعمي الإرهاب.
هذا الحال في لبنان مماثلٌ لما هو عليه الوضع في العراق، حيث الاصطفافات أبعد ما تكون من الطابع السياسي، بقدر ما هي ذات أبعاد طائفية ومذهبية، حتى بين أبناء الطائفة الواحدة، وهو ما ترجم اغتيالات واشتباكات وحملات تخوين، أيضاً لن تنتهي مع إغلاق صناديق الاقتراع، بل ستبقى وتتمدد في الشارع وسيكون لها أيضاً انعكاسات شعبية، فيما يكون السياسيون مستمتعين بنعيم السلطة والوصول إلى المجلس النيابي.
بين العراق ولبنان، يبدو أن اللعب على الوتر المذهبي والطائفي هو القاسم المشترك، إذ يتحول المواطنون إلى وقود لسباق الوصول إلى السلطة. لا يمكن إعفاء المواطنين أنفسهم من الوضع الحالي، على الرغم من أن السياسيين في أحيان كثيرة يستغلون حاجات بعضهم المادية والمعنوية، غير أنه لا يمكن إنكار أن الشعوب العربية، وخصوصاً في المناطق ذات الاختلافات الدينية والطائفية والعرقية، تقاد بسهولة خلف غرائزها المذهبية، على الرغم من استنكارها طوال فترة الولايات النيابية أو الرئاسية فساد الساسة والطبقة الحاكمة. يختفي هذا الاستنكار  لحظة الشعور بأن هناك تهديداً قد يطاول زعيم هذه الطائفة أو العرقية، والذي يستدعي استنفاراً، باعتبار أن حماية الزعيم هي حماية للطائفة أو العرقية. وعلى هذا الأساس، فإن السياق العام نفسه للأمور السياسية في هذه الدول يتكرّر مع كل مناسبة انتخابية، ولهذا لا يمكن اعتبار أن هناك أملاً حقيقياً في التغيير الديمقراطي، ما دامت العقلية القبلية هي المتحكمة بالناخب وخياراته.
ربما تبقى تونس وحدها حالة منفردة، ليست كاملة، لكنها بالتأكيد أفضل من غيرها، خصوصاً في المشهد الانتخابي الحالي، إذ يقوم الصراع على خلفياتٍ سياسيةٍ وأيديولوجياتٍ وخياراتٍ تنعكس مباشرة على المواطن وهمومه، وتؤسس ربما لولادة دولة ديمقراطية عربية حقيقية، تكون السياسة محور التغيير فيها.
موسم الأصوات الانتخابية ينتهي اليوم، غير أن أبعاده، على اختلافاتها، ستكون مستمرة شهوراً، وربما سنوات.