موريتانيا .. محاربة للفساد أم انقلاب ناعم؟

24 اغسطس 2020
الصورة

تقليد الرئيس الموريتاني الغزواني وسامًا بعد أدائه اليمين في نواكشوط (1/8/2019/فرانس برس)

+ الخط -

يُنهي الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، شهر أغسطس/ آب الجاري، عامه الأول في الحكم، بإطلاق حملة لمحاربة الفساد وحماية المال العام، تم فيها فتح ملفات الفساد التي شهدتها عشرية الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، فكانت باكورة ثمارها إقالة حكومة إسماعيل ولد الشيخ التي لم يمض عام على تنصيبها، بعدما جاءت الإشارة إلى وزراء في تركيبتها، ضمن نتائج تقرير لجنة التحقيق البرلمانية في قضايا الفساد، كان الرئيس قد اقترح على البرلمان تشكيلها بداية هذه السنة.
يبدو الرئيس عازما على إجراء قطيعة مع حقبة (وتركة) رفيقه في الجندية والرئاسة، إلى درجة أن الأمر بات أشبه بالمواجهة المفتوحة بينهما، ما يفيد بأن الخلاف بينهما وصل إلى نقطة اللاعودة، خصوصا بعد تفكيك جزء كبير من نفوذ الرئيس السابق في المؤسسة العسكرية، بإبعاد مؤيديه من كتيبة الحرس الرئاسي التي تمثل أهم وحدة عسكرية في الجيش، وعن طريقها تم تنفيذ انقلابين عسكريين في العقد الماضي؛ انقلابي 2005 و2008.
حظيت هذه الخطوة التي يمضي فيها الرئيس في مسار الإصلاحات، في بداية ولايته الحكومية، بالقبول والاستحسان لدى غالبية المجتمع الموريتاني، فهي تؤسّس لقاعدة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتأكيده على مبدأ مساواة الجميع أمام القانون، بسريان مقتضياتها على شخصيات وازنة في هرم الدولة، فقبل أيام، استدعت شرطة الجرائم الاقتصادية رئيسا أمضى عهدتين (2009 - 2014) في الحكم، لتقديم تفسيراتٍ في قضايا فساد، يشتبه في ضلوعه فيها. واتسع نطاق الاتهام، ليشمل التحفظ على جزء من ممتلكاته، والتحقيق مع بعض أفراد عائلته (الابن والصهر).

يبدو الرئيس الموريتاني عازما على إجراء قطيعة مع حقبة (وتركة) رفيقه في الجندية والرئاسة، إلى درجة أن الأمر بات أشبه بالمواجهة المفتوحة بينهما

تفاءل كثيرون بأن يكون القرار بداية لتفكيك منظومة فسادٍ متكاملة، تنخر في جسم الدولة، حتى أضحى أسلوبا وطريقة للتعامل، في جميع المؤسسات والإدارات العامة في موريتانيا، منذ مطلع التسعينيات، حين شرعن العسكر الفساد الممنهج، خلال حقبة الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع. ويتفاءل الموريتانيون بأنه قرار يدشّن مسارا جديدا واعدا، في بلد عربي أفريقي؛ بمؤهلات طبيعية وثروات بشرية، غير متناسبة إطلاقا مع ترتيبه بين الدول في قائمة المؤشرات العالمية. وعكس هؤلاء، ينظر آخرون إلى ما يجري في البلد بشك وريبة، فأصول الصراع بين الرئيسين؛ السابق والحالي، بدأت مع الحراك السياسي داخل حزب "الاتحاد من أجل الجمهورية" أدى إلى ظهور "أزمة المرجعية"، حيث حظي ولد عبد العزيز، عقب عودته من عطلته في أوروبا، باستقبال وزراء وقيادات سياسية في مقر الحزب، بوصفه رئيسا مؤسّسا للحزب ومرجعية وحيدة له. واجتمع بلجنة تسيير الحزب الحاكم، ليبسط أمامها رؤيته وتوجّهه الجديد بشأن أوضاع البلد، ضاربا بعرض الحائط مخرجات مؤتمر الحزب، في ديسمبر/ كانون الأول 2019، فخلاله أعلن عن فك الارتباط بالرئيس السابق، واعتبار برنامج ولد الغزواني المرجعية الجديدة للحزب الحاكم. وأثار الاجتماع حفيظة أنصار رئيس الدولة، واعتبر بعضهم الخطوة إهانة له، فهذا التصرّف غير مقبول ضد رجل تعدّت العلاقة به أربعين سنة، من الصداقة والعمل المشترك في الجيش والسياسة، وحتى في المصاهرة؛ فالزوجة السابقة وأم إحدى بنات الرئيس هي بنت خالة محمد ولد عبد العزيز، كما أنه أحد الأوفياء في أصعب اللحظات، فقد شارك إلى جانب ولد عبد العزيز في انقلاباته، وتولى حماية الحكم عند تعرّض الرئيس لإصابة بإطلاق نار في الصحراء عام 2012، حيث مكث الأخير أشهرا في فرنسا قصد العلاج، ثم عاد ليستلم الحكم من قائد الجيش محمد ولد الشيخ الغزواني.

شارك الغزواني إلى جانب ولد عبد العزيز في انقلاباته، وتولى حماية الحكم عند تعرّض الرئيس لإصابة بإطلاق نار في الصحراء عام 2012

يدافع محمد ولد عبد العزيز عن نفسه، مؤكّدا أن تحرّك الحزب يستند إلى فكرة حماية الديمقراطية، فالرئيس الحالي يعمل على تدميرها بالسيطرة على مفاصل الحزب، وتصفية مؤيدي الرئيس المؤسس. ولا تصمد هذه المرافعة كثيرا أمام التاريخ السياسي للرجل، فهو قائد الانقلاب العسكري على سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، أول رئيس منتخب لموريتانيا أطيح عام 2008. ومهما يكن من أمر، فالصيف الساخن الذي تعيشه موريتانيا، ليس على مستوى الطقس فقط، بل على المستوى السياسي أيضا، لن يخرج عن واحد من ثلاثة سيناريوهات، هي:
أولا؛ رغبة نظام ولد الغزواني بإعادة هندسة المشهد السياسي الموريتاني على مقاسه، فعمد، من أجل تحقيق ذلك، إلى استخدام ورقة الفساد، واستدعاء الرئيس السابق وأفراد أسرته وكبار معاونيه إلى التحقيق في ملفات العشرية الماضية، بهدف إسكاتهم وإزاحتهم من المشهد، أو على الأقل ضمان تحجيم دورهم سياسيا، من خلال الضغط عليه بملفات الفساد وسوء التسيير.
ثانيا؛ رغبة النظام في نيل شرعية جديدة في أوساط المجتمع الموريتاني، من خلال تحريك ملف الفساد الذي يعتبره المواطن بمثابة عش للدبابير. وبهذا يضرب ولد الغزواني عصفورين بحجر واحد، فمن ناحيةٍ سوف يكسر شوكة غريمه السياسي في الحزب بصفة نهائية. ومن ناحية أخرى، سوف ينال شيكا على بياض من الشعب قصد تدبر أموره بهدوء، على الرغم من أن الأوضاع الاقتصادية في غاية الصعوبة.

النظام الجدي يرغب في نيل شرعية جديدة في أوساط المجتمع الموريتاني، من خلال تحريك ملف الفساد الذي يعتبره المواطن بمثابة عش للدبابير

ثالثا؛ سعي النظام إلى استعادة الأموال المنهوبة، وتقديم المجرمين إلى العدالة. وهذا احتمال ضعيف، لأنه يحتاج إرادة سياسية قوية، ما يزال نظام ولد الغزواني يفتقدها، فاستقواؤه بالخارج ظهر في حملته الانتخابية، إذ نزل أنصار رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الإمارات، الشيخ عبدالله بن بيه، بكل ثقلهم، لدعم ولد الغزواني ومساندته. واتضح أكثر في اختيار الرئيس الجديد الإمارات أول وجهة خارجية يزورها، من دون أن يُنسى تعيين محمد محمود ولد بيَّه، الابن الكبر للشيخ وزيرا للعدل في الحكومة أخيرا.
يستدعي الترجيح بين هذه السيناريوهات توقع رد فعل الطرف الآخر في أي لحظة، فولد عبد العزيز الذي قاد انقلابا عسكريا لا يمكنه أن يقوم بهذه المغامرة، من دون أن يحتفظ لنفسه بأوراقٍ يُشهرها في وجه النظام الجديد.