موريتانيا: حوار المعارضة مع النظام يهدد وحدتها

موريتانيا: حوار المعارضة مع النظام يهدد وحدتها

15 فبراير 2015
الصورة
يحتاج الرئيس إلى الحوار لتكريس شرعيته (ايسوف سانوغو/فرانس برس)
+ الخط -
لا يزال الغموض يكتنف مستقبل الحوار الدائر حالياً في موريتانيا بين الأغلبية الداعمة لنظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز والمعارضة المتمثلة في "المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة". وازداد الغموض بعد ظهور بوادر انشقاق حول الحوار داخل أحزاب المعارضة. ووسط هذه الأجواء، لا تزال قطاعات عريضة من الشارع الموريتاني ومعها المعارضة، غير متأكدين من دوافع الحماسة الرسمية للحوار.

ومع أن المعارضة ردّت سريعاً على الرئيس برفضها الحوار، وأبدت شكوكها في جديته، غير أن الوثيقة التي سلمها رئيس الوزراء يحيى ولد حدمين، إلى الأمين الدائم لـ "منتدى المعارضة" محمد فال ولد بلال، قلبت الأوضاع رأساً على عقب، وجعلت المعارضة تعيد حساباتها في ما يتعلق بالحوار مع النظام.

ويبدو أن الوثيقة أراحت قادة المعارضة، بعد أن تسرّبت الريبة إلى نفوسهم، بسبب توقيت دعوة الحوار الرئاسية، والتي جاءت بعد وقت قصير من استدعاء هيئة الناخبين، لانتخاب مجلس الشيوخ. وعادت إلى الأذهان تجارب الحوار السابق قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت العام الماضي، حين لم يبدِ النظام سوى رغبته في مشاركة المعارضة في الانتخابات، تعزيزاً لشرعيته، وبحثاً عن مصداقية بدا حريصاً عليها.

وكان النظام والمعارضة قد بدآ منذ أسابيع عدة جلسات حوار تمهيدية، نوقشت فيها الوثائق والردود والتصريحات المتبادلة، وبدا أن البلاد في طريقها إلى إنجاز اتفاق سياسي، هي في أمسّ الحاجة إليه بعد سنوات من التجاذب السياسي الذي كاد أن يؤدي إلى الصدام أحياناً.

وعلى الرغم من المناقشات المستمرة، غير أن تأخر التوصل للاتفاق النهائي وإعلان أطراف كثيرة رفضها للحوار وفق الصيغة الأولية، مهدت وثيقة رئيس الوزراء لخطوة جديدة. وتمثل الوثيقة الجديدة في جوهرها استجابة لمطالب المعارضة المتعلقة بإجراءات انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، وتقديم ضمانات حول حياد الإدارة والجيش.

وفي وقتٍ ظلّ الغموض يلف موضوع تعديل الدستور، اقترحت الوثيقة "عدم احتساب ما مضى من مأمورية الرئيس ولد عبد العزيز الحالية، والتي تُعتبر الأخيرة له حسب الدستور"، لكن أحزاب المعارضة رفضت أي تعديل للدستور. وعلى الرغم من التشدد المتبادل، غير أن الحوار استمرّ بين الجانبين، لحاجة كل فريق إليه.

لم يستطع النظام الموريتاني، الخارج من انتخابات رئاسية وبرلمانية كرست هيمنته على المشهد السياسي، إقناع الداخل والخارج بالمسار السياسي الحالي، بعد رفض أغلب أحزاب المعارضة المشاركة في الانتخابات التي جرت خلال العامين الماضيين، وبقائها خارج العملية السياسية. وهو ما قوّض مصداقية البرلمان الحالي، خصوصاً أن المعارضة كانت ممثلة بقوة في البرلمان السابق.

وأدى الجدل في شأن ولاية الرئيس، غير القابلة للتجديد بحسب نص الدستور، إلى تطلّع النظام نحو الحوار مع المعارضة، على اعتباره "الحلّ الأنسب لطرح مسألة تعديل الدستور"، ولو لم يتمكن النظام من ذلك الآن، لكنه يكون بذلك قد قطع الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل نحو تعديل الدستور، بما يسمح للرئيس بالترشح أكثر من مرتين.

وتُعدّ الظروف الصحية الصعبة التي يعاني منها الرئيس الموريتاني، والناجمة عن إصابته بطلق ناري في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2012، والارتباك الذي تسببه أسفاره العلاجية في الخارج، كعدم انعقاد مجلس الوزراء مثلاً، مما جعل البلاد رهينة لوضعه الصحي المضطرب.

وتنقل بعض الأوساط الإعلامية عن رغبة الرئيس في ترك السلطة بعد انتهاء الولاية الثانية، لمصلحة شخصية مقرّبة منه، على طريقة الثنائية الروسية فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف. ويطرح في هذا السياق، اسم رئيس الوزراء الأسبق والأمين العام للرئاسة حالياً ملاي ولد محمد الأغظف الذي يمسك بملف الحوار مع المعارضة، ممثلاً عن الرئيس وأغلبيته الحاكمة.

ولعلّ الأسباب الاقتصادية غير غائبة عن ذهن النظام الموريتاني، وهو يقدم تنازلات في شأن حواره مع المعارضة، فالبلاد تعيش أزمة اقتصادية خانقة، بسبب انهيار أسعار الحديد وتعثر المفاوضات بشأن اتفاقية الصيد مع الاتحاد الأوروبي، والتي كانت تدرّ على البلاد نحو 130 مليون دولار سنوياً، وتراجع الاحتياطي النقدي للبلاد من العملة الصعبة، وارتفاع المديونية الخارجية بعد حلول وقت سداد الديون في العام الحالي.

كما تفاقم الوضع الاجتماعي جراء اعتقال النشطاء الحقوقيين، وما رافق ذلك من حراك واسع لزعماء فئة "الحراطين" (السكان الوافدين من وسط أفريقيا الذين نالوا حريتهم في القرن العشرين)، ويشعرون بالتهميش السياسي والاقتصادي، ويطالبون بفرص أكبر في الحياة السياسية والاقتصادية الموريتانية. كما شلّت الإضرابات العمالية في مدينة ازويرات، شمال البلاد، الشركات الموريتانية.

بالنسبة إلى المعارضة، فقد تجاوزت "المفاجأة الرسمية"، وبدأت بطرح شروطها وتهيئة أنصارها للظرف السياسي الجديد، بعد خوضها تجارب حوارية غير مشجعة مع النظام في السنوات الأخيرة، على الرغم من توقيع اتفاق داكار عام 2009، وعقد جلسات الحوار قبل الانتخابات الرئاسية 2014. كما فشلت الحوارات الثنائية بين أحزاب المعارضة والنظام.

وعادت المعارضة التي رفعت شعار "رحيل النظام"، خلال فترة ازدهار الربيع العربي في عام 2012، إلى تبنّي خطاب أكثر اعتدالاً، وقبلت بالحوار مع النظام، لكن رفضها المشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية الماضية، عرّى الحكم من شرعيته. وكانت تحتاج إلى خطوة تدفعها إلى الأمام، بعد ارتخاء الشارع الذي قلّل من هامش مناورتها وجعلها غير قادرة على رفض الحوار، لأنها ستظهر أمام الرأي العام كمسؤولة عن فشله.

ومع أن أغلب الأحزاب والقوى داخل "منتدى المعارضة" راغبة في الحوار وتشارك في جلساته التمهيدية غير المعلنة حتى الآن، إلا أن بعضها عبّر عن تردده في قبول الحوار، ووصل إلى حدّ الرفض أحياناً مثل حزب "تكتل القوى الديمقراطية" الذي يتزعم الرئاسة الدورية لـ "منتدى المعارضة".

وجعل تردد حزب "التكتل" ووضعه شروطاً، وُصفت من قبل بعضهم بـ "التعجيزية" ومقاطعته لبعض جلسات الحوار، بعض المراقبين يتخوفون على وحدة المعارضة الموريتانية التي يحفل تاريخها بالكثير من الصراعات والتناقضات.

المساهمون