موريتانيا.. "الضنك" يفتك بسكان "نواكشوط"

29 نوفمبر 2014
الصورة
أهالي تيارت يحتجون على إهمال الحكومة الموريتانية لهم(العربي الجديد)
+ الخط -
داخل قسم الحالات المستعجلة في المركز الصحي بمقاطعة تيارت شمال العاصمة الموريتانية نواكشوط يرقد الطفل محمد إسماعيل (12 ربيعا)، على أحد الأسرة، يصارع آلام مرض حمى "الضنك" المنتشرة في منطقته منذ أسابيع، فيما تحتضن أروقة المركز الصحي عشرات المصابين بالحمى التي لم تجد الجهات الرسمية طريقا لوقف انتشارها المتسارع، وحدوث حالات وفاة بين المحتجزين في المستشفيات غالبيتهم أطفال.

إسماعيل والد محمد قال لـ"العربي الجديد" أصيب ابني بحمى شديدة منذ أيام، وصل رفقته إلى المركز الصحي، فوجئت بأعداد كبيرة من المصابين بالمرض نفسه، حدثني بعض الأطباء المداومين بقسم الحالات المستعجلة بالمركز عن استقبالهم لضحايا كثر وخاصة من مقاطعة تيارت في الشمال الغربي من العاصمة، وهي المنطقة التي أصبحت تسمى باسمها الحمى محليا نظرا لانتشارها وفتكها بالعديد من المواطنين".

يستغرب إسماعيل عدم تمكن الحقن والمضادات الطبية التي قدمت لابنه من إنهاء معاناته بشكل كامل، "غير أنها خففت من حدة الحمى"، كما قال لـ"العربي الجديد" متابعا أن أطباء المركز الصحي لم يسمحوا لابنه بالخروج خوفا من انتقال العدوى إلى غيره.

تعتيم متعمد

إحدى الممرضات بالمركز الصحي في تيارت، قالت إن حالة محمد تعرض لها مئات المرضى، معظمهم من الأطفال، مرجعة السبب إلى تأخر الكادر الصحي في موريتانيا في التعرف على المرض، "الأمر الذي لم يتم إلا بعد إرسال نوعيات من دم المرضى لمختبرات في العاصمة السنغالية دكار، جاءت متأخرة"، كما قالت ممرضة المركز الصحي لـ"العربي الجديد" بينما تعود مرة ثانية لعملها بسبب الضغط المتواصل عليهم نتيجة إقبال المصابين.

تؤكد الممرضة التي عرفت نفسها بـ"س.ن":" عن وجود توصيات رسمية لدى العاملين في المركز، عدم إعطاء إحصاءات بخصوص انتشار المرض، مقدرة عدد المصابين بنحو (700 مواطن)، تلقوا العلاج في المركز الصحي حتى الآن، غالبيتهم أطفال تبين لاحقا أن ذويهم يسكنون في أحياء شعبية ولا يحظون بالتوعية الصحية التي تقدمها أحيانا وزارة الصحة حول الوقاية من الأمراض المعدية".

وأضافت الممرضة أن المركز الصحي بتيارت شهد ثلاث حالات وفاة بين المصابين بمرض حمى الضنك، مرجحة حدوث حالات عدوى بين مراجعي المركز الصحي نتيجة انتشار البعوض الذي يعد أبرز مسبب للعدوى بالحمى.

مركز صحي تيارت (العربي الجديد)



ما هي حمى الضنك؟


حمى الضنك أو "حمى الدنج" أو "الدنك" (بالإنجليزية: Dengue Fever) أو حمى الضنك النزفية هي أمراض حمّية حادة، توجد في المناطق المدارية حيث تعتبر من الأمراض المدارية المهملة، ويسببها أربعة أنماط مصلية متقاربة من جنس الفيروس المصفر (flavivirus) من عائلة الفيروسات الخيطية وتعرف أيضا بحمى العظم المكسور. على خلاف الملاريا؛ فإن حمّى الضنك سائدة في المناطق الحضرية كما في المناطق الريفية. حمى الضنك تنتقل إلى البشر عبر بعوضة آييدس إجيبتاي (Aedes aegypti) أو نادرا عن طريق بعوضة آييدس ألبوبيكتس (Aedes albopictus)، تقول منظمة الصحة العالمية أن نحو ملياري ونصف المليار شخص والذين يشكلون خمسي سكان العالم؛ معرضون لخطر الإصابة بالضنك، وتقدر أنه قد يكون هناك خمسون مليون حالة من الضنك في العالم كل سنة. حمى الضنك الآن مرض متوطن في أكثر من مائة بلد، انضمت إليهم موريتانيا.

ضعف أداء وزارة الصحة

عند بوابة المركز الصحي في مقاطعة تيارت يؤكد المواطن السالك ولد محمود، القادم لتوه من زيارة أحد أقربائه إن المركز الصحي دون المستوى، كما أن استيعابه للمرضى أصبح متدنيا بسبب عدم القدرة على توفير أسرّة للمرضى، والاكتفاء في بعض الأحيان بتقديم أوامر للقادمين بالذهاب إلى مراكز صحية أخرى في العاصمة لإيجاد أمل جدي للعلاج.

ولد محمود أكد على مغادرة عديد الحالات مركز صحي تيارت موضحا لـ"العربي الجديد" أن الحالات ذهبت إلى مراكز صحية متفرقة في مقاطعات دار النعيم، وتوجنين، وعرفات في الجنوب والجنوب الشرقي للعاصمة نواكشوط.

ويرى بعض المتابعين للوضع الصحي أن اكتظاظ المستشفى الوطني المركزي في نواكشوط بالمرضى حال دون فتح أبوابه أمام المصابين بحمى "الضنك"، كما أن الجهات الرسمية تخشى من انتشار العدوى بين السكان نتيجة كثرة زوار المستشفى الواقع في مقاطعة تفرغ زينه شمالي نواكشوط التي يقع فيها معظم الإدارات الحكومية ويوجد فيها أكبر الأسواق والمنشآت العمومية في موريتانيا.

أعراض متعددة

على الرغم من وجود بعض حالات الإصابة بحمى الضنك في أنحاء متفرقة من العاصمة الموريتانية، إلا أن الوصف الدقيق للوباء اكتشفه الأطباء في المركز الصحي بتيارت التي انطلق منها الوباء، وتعرّف عمال الصحة بها على جميع أعراض المرض الذي ظل يكتنفه الغموض لوقت قصير، ليحاصر الوباء سكانها البالغ عددهم 70 ألف نسمة يقيمون على مساحة 10 آلاف كيلومتر مربع.

ويرى الطبيب الرئيسي بمستوصف تيارت محمد ولد ودادي، أن أعراض هذه الحمى هي الإسهال والتقيؤ، كما أن المصابين بها تظهر على أجسامهم طفحات متعددة نتيجة تعرضهم للدغ البعوض، مؤكدا لــ"العربي الجديد": "أن جميع المصابين بالحمى تلقوا الدواء من قبل الطواقم الطبية في المستوصف، وأن بعضهم غادر المستشفى في حالة جيدة، بينما لا يزال البعض الآخر يتلقى الدواء في المركز الصحي".

واكتفى ولد ودادي بالقول إن الحمى تنقسم إلى ثلاثة أنواع، منها ما هو طفيلي مرتبط بالملاريا، ومنها هو جرثومي ناتج عن التهابات البلعوم، وأكثرها خطرا الصنف الأخير الذي يعد حمى فيروسية مجهولة المصدر لحد الساعة، مطالبا المواطنين بالحرص على النظافة وتطهير أماكن سكنهم بالمبيدات الحشرية، كما دعاهم للنوم تحت "الناموسيات"، لارتباط الحمى بلدغ البعوض وانتشار الأوساخ أمام المنازل.

تعاط رسمي دون المستوى

التزمت وزارة الصحة الموريتانية بالصمت إزاء انتشار وباء مرض حمى الضنك في مقاطعة تيارت وانتقاله إلى بعض المراكز الصحية المنتشرة بالعاصمة نواكشوط، مكتفية بإعطاء تطمينات حول انخفاض خطورة المرض، كما رفض كل من المستشار الإعلامي لدى الوزارة والمدير الجهوي للصحة الحديث لـ "العربي الجديد" حول أسباب المرض وطرق علاجه مكتفين بالقول إن مخاطره غير كبيرة، مع أن الواقع يقول عكس ذلك.

"العربي الجديد" اطلعت على عدد من الفحوصات التي أجريت لعينات من الحمى، أكدت أنها هي المعروفة عالميا بـحمى الضنك النزيفية التي يمكن أن تنتقل عدواها من خلال البعوض أو منتجات الدم بشكل عام.

وزارة الصحة الموريتانية حتى الآن لم تقم بتقديم أي مبرر للصمت المطبق حول انتشار الحمى في العاصمة، كما لم تقم بإرسال بعثات طبية وتوعوية للمناطق التي ينتشر فيها المرض ويحصد أرواح مواطنين ويعرّض آخرين للخطر دون تحريك ساكن من الجهة الوحيدة الوصية على صحة المواطن، إذ اكتفت بتشكيل لجنة داخلية سمتها "لجنة اليقظة"، كما سارعت إلى توزيع بعض المنشورات والملصقات المحذرة من انتشار فيروس "الإيبولا" وشرح أعراضه، وذلك بعدما شعرت بالحرج إزاء مرض "حمى الضنك" المنتشر فعليا وعلى نطاق واسع.

تنديد شعبي بتفاقم الحمى

لم يطلق سكان العاصمة نواكشوط الحبل على الغارب للجهات الرسمية إزاء صمتها حول فتك مرض حمى الضنك بالمواطنين، حيث احتج المئات من الشباب في مقاطعة تيارت التي تحتضن أكثر حالات المرض أمام المركز الصحافي منددين بتجاهل السلطات لانتشاره وإهمال المصابين وتركهم يصارعون الأمل في مراكز صحية متواضعة لا تقدم الدواء الكافي لمرتاديه.

سيدي ولد الشيخ محمد، أحد هؤلاء قال لـ"العربي الجديد":"إن المجموعة الشبابية ستواصل احتجاجاتها الداعية إلى كسر صمت الجهات الرسمية، محمل وزارة الصحة كافة المسؤوليات ومطالبا بتعامل أكثر جدية مع الحمى المثيرة.

وأضاف ولد الشيخ إن المجموعة الشبابية تطالب بحملة صحية قوية لمحاصرة الحمى التي تنتشر في مناطق واسعة وتوسيع الخدمات والمنشآت الصحية، حتى تستوعب أعداد المرضى المتزايدة، معربا عن أسفه لوجود مركز صحي واحد بمقاطعة تيارت التي تعد من أهم مقاطعات العاصمة نواكشوط وأكثرها تضررا من حمى النضك.

وتعتزم المجموعة الشبابية القيام بمجموعة أنشطة لصالح المواطنين تضم توعية صحية بخطورة المرض، وتشجيع المواطنين على انتزاع حقوقهم من الحكومة في ظل إصرارها على عدم التحرك لإنقاذ المزيد من المواطنين الذي فتك "الضنك" بهم ليصبحوا محاصرين بين ضنك المرض وضنك الحياة "الفقر".