موجة ثانية... إيران تواجه الأزمة الاقتصادية وكورونا

11 يوليو 2020
الصورة
تراجع الاهتمام بالوقاية زاد عدد الإصابات مجدداً (فاطمة بهرامي/ الأناضول)

بعد تراجع كبير دام شهرين، عاد فيروس كورونا الجديد لينتشر بسرعة في إيران وعلى نطاق واسع، وبشكل أخطر مما كان عليه خلال بداية انتشاره في شهر مارس/ آذار الماضي، ما انعكس ارتفاعاً كبيراً في عدد الإصابات والوفيات. وخلال الأسبوعين الأخيرين، سجلت البلاد أرقاماً قياسية في عدد الإصابات، ما يمكن اعتباره موجة ثانية لكورونا في البلاد، بينما كانت وزارة الصحة الإيرانية تتوقع بدء هذه الموجة خلال الخريف أو الشتاء المقبلين مع انخفاض درجات الحرارة، وتزامناً مع موسم الإنفلونزا.
ويأتي هذا الارتفاع في أعداد الإصابات والوفيات بعدما انخفضت نسبة انتشار الفيروس في البلاد منذ مطلع إبريل/ نيسان الماضي وحتى منتصف يونيو/ حزيران الماضي. وتراجعت خلال هذه الفترة الإصابات اليومية إلى أقل من ألف يومياً، بعدما تجاوزت حاجز الألفين، والوفيات أيضاً إلى 30 وفاة يومياً.
السيطرة على الفيروس نسبياً دفع السلطات الإيرانية للحديث عن تحقيقها "إنجازات كبيرة". وتزامن الأمر مع بداية تفشي كورونا الواسع في الغرب وتحديداً في الولايات المتحدة، لترفع السلطات الإيرانية نبرة التحدي وتتحدث عن نجاحها في مكافحة الفيروس على الرغم من العقوبات الأميركية، "بينما العدو الأميركي فشل فيه". لكن ما تحدثت عنه طهران كـ"إنجاز" أطاحته الموجة الجديدة لكورونا، التي جعلت البلاد أمام وضع صعب للغاية.

كورونا في إيران  (فاطمة بحرامي/ الأناضول)
تبدو ملتزمة بشروط الوقاية (فاطمة بحرامي/ الأناضول)

ويأتي التفشي الجديد للفيروس في وقت لا تعاني فيه البلاد نقصاً في المستلزمات الطبية، مثل الكمامات والمعقمات، كما كان الحال مع بداية انتشاره، لكن ثمة مخاوف من أن يؤدي استمرار انتشار الفيروس حالياً إلى ارتفاع كبير في أعداد الأشخاص الذين سيتوجهون إلى المستشفيات، ما يضعها أمام أزمة في ظل نقص الأسرّة والمعدات، وسط إرهاق وتعب شديد للكوادر الطبية الإيرانية التي تسعى إلى مكافحة الفيروس منذ أكثر من خمسة أشهر بشكل متواصل.
وعن أسباب عودة تفشي كورونا في إيران بشكل أوسع من قبل، يمكن الحديث عن عوامل عدة، في مقدمتها رفع القيود تدريجياً عن الأنشطة الاقتصادية في البلاد، وعمل الموظفين، وحركة التنقل داخل المدن وبين المحافظات إضافة إلى أمور أخرى، بدءاً من الحادي عشر من شهر إبريل/ نيسان الماضي. وأبقت الحكومة الإيرانية على قيود أخرى ما زالت سارية، مثل استمرار إغلاق المدارس والجامعات. لكن يبدو أن رفع القيود ساهم في تفشي كورونا مجدداً وبنسبة أعلى، إضافة إلى تراجع اهتمام المواطنين بالإرشادات والتعليمات الصحية، والتباعد الاجتماعي، والتعامل مع الفيروس وكأنه انتهى.

تواجه البلاد نقصاً في المستلزمات الطبية مثل الكمامات والمعقمات 


وأكد قائد غرفة عمليات مكافحة كورونا في العاصمة طهران، علي رضا زالي، للتلفزيون الإيراني، مساء الأربعاء الماضي، أن سبب ارتفاع الإصابات والوفيات بسبب كورونا يعود إلى الرحلات الداخلية خلال الشهر الماضي، وإعادة فتح المراكز المزدحمة.
وهُنا، تتحمّل الحكومة الإيرانية جزءاً من المسؤولية، بسبب تسرّعها في إنهاء بعض القيود وفتح الأماكن المزدحمة. كما ساهم بعض مسؤوليها، ومن خلال تصريحات متكرّرة خلال فترة تراجع حدة تفشي الفيروس، في تصوير الأوضاع في البلاد على أنها عادية، في محاولة لتبرير رفع هذه القيود والدفاع عن القرارات، ما ساهم في اعتبار الوضع طبيعياً من قبل كثير من الإيرانيين. 

لا وقاية
وتراجع اهتمام هؤلاء بالوقاية من كورونا كما حدث خلال بداية تفشيه في مارس/ آذار الماضي على الرغم من عدم السيطرة على الفيروس تماماً، وتحذيرات وزارة الصحة المتكررة من تجاهل البروتوكولات الصحية. بل أصبحت تنظر إلى الفيروس كمرض عادي، ليمارس كثير من العائلات الإيرانية حياتها الطبيعية وكأن الفيروس قد انتهى. على سبيل المثال، استأنف كثيرون الرحلات الداخلية وبعض العادات والتقاليد الاجتماعية التي تشهد تجمعات، على غرار مراسم العزاء والأعراس. وأشار نائب وزير الصحة الإيراني إيرج حريرجي، في السابع عشر من الشهر الماضي، إلى إصابة 120 شخصاً بكورونا في حفل زفاف.
وأدى تراجع اهتمام كثيرين بكورونا إلى عدم الالتزام بخطّة التباعد الاجتماعي. وكشفت وزارة الصحة الإيرانية في السادس عشر من الشهر الماضي، وفقاً لقناة "الخبر" الإيرانية، عن تراجع الالتزام بالبروتوكولات الصحية في إيران في الأسواق والأماكن العامة بنسبة كبيرة، مشيرة إلى أن مستوى الالتزام انخفض من 80 في المائة إلى 10 و20 في المائة. وفي العاصمة طهران، وصلت النسبة إلى 9 في المائة.

كورونا في إيران  (فاطمة بحرامي/ الأناضول)
الكمامات والقفازات وجوب التسوّق (فاطمة بحرامي/ الأناضول)

وهنا، تنبغي الإشارة إلى أنه على الرغم من إعلان الحكومة الإيرانية أن اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا، التي يترأسها وزير الصحة اسعيد نمكي، هي صاحبة القول الفصل في كل ما يرتبط بكورونا وأساليب مواجهته، ثمة معطيات تشير إلى تدخلات في عمل اللجنة من الخارج، ما تسبب بخلافات بين الوزير والحكومة حول مواجهة كورونا والتدابير المتخذة. وبعدما راجت خلال الشهر الماضي أنباء عن تقديم نمكي استقالته مرات عدة، ونفي الحكومة الأمر، أكد الوزير نفسه الأربعاء الماضي وجود خلافات بينه وبين الحكومة حول طريقة مواجهة الفيروس، قائلاً إن سبب عدم ظهوره أمام الكاميرات لفترة يعود إلى أنه "كان منزعجاً وعصبياً"، من دون أن يكشف عن أسباب ذلك. 

السيطرة على الفيروس نسبياً دفعت السلطات للحديث عن "إنجازات كبيرة"


لكنه أعلن أنه اشتكى إلى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، الذي انتقد أخيراً "تراجع" الزخم السابق في كبح كورونا، قائلاً: "من الصائب القول إنه يجب القيام بشيء لمنع مشاكل اقتصادية ناجمة عن فيروس كورونا، لكنّ في حال الإهمال والانتشار الكبير للمرض، فإنّ مشاكل الاقتصاد ستتفاقم أيضاً".

حلول سحرية؟
أمام الموجة الجديدة لكورونا، لا يبدو أن الحكومة الإيرانية تملك حلولاً جادة أو سحرية، للحد من تفشي الفيروس، باستثناء اتخاذها سلسلة تدابير وإجراءات لا ترقى إلى مستوى تلك التي اتخذتها خلال شهر مارس/ آذار الماضي، والتي وصلت إلى حد إغلاق المدن والمحافظات، بسبب الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد على خلفية العقوبات الأميركية، وقد وضعتها هذه الأزمة أمام ثنائية "الصحة" أو "الاقتصاد". ولعبت هذه الثنائية دوراً كبيراً في دفع السلطات إلى تسريع رفع قيود كورونا بغية إنقاذ الاقتصاد الإيراني الذي زاد الفيروس من أزمته. وعليه، تتّجه الحكومة الإيرانية إلى معاودة فرض بعض القيود، مثل إغلاق الحدائق ودور السينما والاجتماعات، لكن ليس على صعيد الوطن ككل وبالصرامة نفسها، بل على مستوى مناطق تشهد تفشياً واسعاً للفيروس. إضافة إلى ما سبق، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني إلزام المواطنين بوضع الكمامات في الأماكن المسقوفة والمترو والحافلات والتجمعات، اعتباراً من الخامس من الشهر الجاري، داعياً الضباط إلى المشاركة في مواجهة انتهاك البروتوكولات من قبل بعض المواطنين.
ولتشديد العمل بهذه القيود، أكد روحاني حرمان المواطنين المتخلفين عن ارتداء الكمامات من الخدمات العامة في المصارف ومؤسسات الدولة والمترو والحافلات، قائلاً: "إذا حضر أي موظف إلى مكان عمله من دون كمامة، فستتم إعادته إلى بيته ويسجل ذلك اليوم على أنّه متغيب عن العمل".
في هذا الإطار، تطالب وزارة الصحة الإيرانية بفرض قيود أكثر تشدداً. وأعلن زالي أن غرفة عمليات مكافحة كورونا اقترحت إغلاق العاصمة لأسبوع وتخفيض عدد الموظفين إلى النصف لاحتواء كورونا في طهران، التي تعیش "وضعاً صعباً وخطيراً" هذه الأيام.

إلى ذلك، دعا المتحدث باسم مجلس بلدية العاصمة الإيرانية، علي إعطاء، الأربعاء الماضي، في تغريدة على "تويتر"، اللجنة الوطنية لمكافحة كورونا إلى "إقرار "قيود أشد وفرضها"، معتبراً أن أوضاع طهران "مؤسفة للغاية"، والارتفاع المتسارع لأعداد المرضى والوفيات "محير". أضاف أن أقل ما يمكن فعله حالياً هو السماح للموظفين بالعمل عن بعد.
إلا أن الحكومة لا تريد أن تشمل هذه القيود الأنشطة الاقتصادية في البلاد في ظل تفاقم المشاكل المعيشية وتضرر أسر إيرانية كثيرة وفقدان نحو أربعة ملايين أعمالهم. لكن كون هذه أماكن مزدحمة، فإنها تشكل أرضية خصبة لانتشار الفيروس، ما يصعب عملية مكافحته والسيطرة عليه خلال المرحلة المقبلة.
وتتصاعد الموجة الجديدة لتفشّي كورونا، وسط تأكيد مسؤولين في وزارة الصحة الإيرانية أنه في أفضل الأحوال لن يكون لقاح كورونا في العالم في متناول اليد إلا بعد عام. وثمة توقعات بأن إيران ستشهد موجة قاسية من الفيروس خلال الخريف والشتاء المقبلين. ​