موجة العنف في أفغانستان تقوّض جهود المصالحة الأفغانية

موجة العنف في أفغانستان تقوّض جهود المصالحة الأفغانية

01 ديسمبر 2014
الصورة
ارتفاع في وتيرة أعمال العنف أخيراً (الأناضول)
+ الخط -

شهدت أفغانستان خلال الأسبوعين الماضيين ارتفاعاً في وتيرة أعمال العنف والعمليات الانتحارية، إذ وقعت في العاصمة كابول وحدها أكثر من عشر هجمات انتحارية، معظمها استهدفت الأجانب وقوات الأمن ومسؤولين في الحكومة، وأدت إلى مقتل العشرات بينهم دبلوماسيون أجانب وموظفون في المؤسسات الخيرية، بالإضافة إلى مقتل وإصابة عدد كبير من المواطنين.

وكان الهجوم الانتحاري لـ"طالبان" مساء السبت الماضي على دار ضيافة للأجانب في منطقة كارتي سي المحصنة أمنياً والقريبة من مبنى البرلمان، آخر تلك التفجيرات، والذي أدى إلى مقتل اثنين من موظفي مؤسسة خيرية أجنبية تعمل في مجال التعليم والشؤون الاجتماعية، وفق الرواية الحكومية.

لكن حركة "طالبان" شددت على أن الهجوم نُفذ على "مؤسسة أجنبية كانت تدعو الأفغان إلى النصرانية، وتعمل على تنصير أبناء البلاد". وادعت الحركة مقتل العديد من الأجانب في الهجوم الذي نفذه ثلاثة انتحاريين، واستمر عدة ساعات بعد أن تحصّن اثنان من الانتحاريين داخل دار الضيافة المستهدفة.

ومع تزايد وتيرة العنف والعمليات الانتحارية في كابول، وبالتحديد في المناطق المحصّنة أمنياً، تزداد الضغوط على الحكومة الأفغانية لتُراجع خططها الأمنية وحساباتها الداخلية، وكان من أهم الخطوات في هذا الصدد استقالة قائد شرطة العاصمة الجنرال ظاهر ظاهر، وتعيين الجنرال عبدالرحمن رحيمي خلفاً له. وتأتي استقالة ظاهر بسبب فشل أجهزة الأمن في التصدي للتفجيرات التي شهدتها العاصمة على مدى الأسبوعين الماضيين.

أما الأقاليم الأفغانية، وبالأخص الجنوبية منها، فالأوضاع فيها أسوأ من العاصمة كابول، إذ إن مسلحي "طالبان" نفذوا عشرات الهجمات على قوات الأمن ومنشآت حكومية خلال الأيام الماضية، أكبرها الهجوم الذي استهدف أكبر قاعدة عسكرية في جنوب البلاد، وهي قاعدة خوراب العسكرية الواقعة بين إقليمي هلمند وقندهار، والتي انسحبت منها القوات البريطانية الشهر الماضي. ونفذ الهجوم الانتحاري، بحسب المتحدث باسم "طالبان" ذبيح الله مجاهد، عشرة مسلحين.

لكن السلطات الأمنية تؤكد أن عدد المهاجمين كان أكبر من ذلك. واستمر الهجوم على مدى ثلاثة أيام وحتى مساء السبت الماضي، بعد أن تمكن المهاجمون من السيطرة على طرف من القاعدة، وكبدو قوات القاعدة خسائر فادحة، وفق بيان "طالبان".

والأخطر هو أن بعض الهجمات طالت الأماكن العامة والأسواق وحتى المساجد، وأسفرت عن مقتل وإصابة عشرات المواطنين. وكان الهجوم الانتحاري الذي وقع أثناء مباراةٍ لكرة القدم في إقليم بكتيا الأخطر والأكثر دموية، أودى بحياة نحو سبعين شخصاً معظمهم من المدنيين، بينهم 25 طفلاً.

وكان اللافت أن الهجوم لم تتبنه أي جماعة مسلحة، بما فيها حركة "طالبان". بيد أن بعض قيادات الحركة رحبوا بالهجوم في بادئ الأمر؛ إذ إنه أدى إلى مقتل عدد من جنود وقيادات الجيش المحلي الموالي للحكومة. ولكن الحركة سارعت إلى إصدار بيان دانت فيه التفجير، وأكدت أن وفداً أرسل إلى المنطقة لإجراء تحقيق في الحادث، ومعرفة منفذي العملية.

من جهته، أعلن جهاز الاستخبارات الأفغاني أن شبكة حقاني الموالية لـ"طالبان" هي التي نفذت العملية، وكان هدفها قيادات وعناصر الجيش المحلي الذين حضروا الحفل الختامي لمباراة كرة الطائرة بين قبائل المنطقة.

وهكذا توالت الاستهدافات في صفوف المدنيين، ففي إقليمي قندز ولوجر، استهدفت هجمات تفجيرية طلاباً وحتى طالبات المدارس والمعاهد، وأدت إلى مقتل وإصابة عدد منهم، فيما وقع انفجار كبير داخل مسجد في مديرية خوجياني في إقليم ننجرهار شرق أفغانستان، أثناء صلاة الجمعة الماضية، وأدى إلى إصابة 36 شخصاً وإلحاق أضرار بالمسجد.

وكما أثارت الاستهدافات المتكررة في صفوف المدنيين الذعر والخوف في أوساط الأفغان، فهي كذلك أثارت تساؤلات حول الجهة المنفذة للعمليات التي تستهدف الأماكن العامة، فحركة "طالبان أفغانستان" دانت وتدين استهداف المواطنين، وتعتبرها حملة استخباراتية ضدها. لكن أجهزة الأمن ما تزال تلقي باللائمة عليها وعلى الجماعات المسلّحة الموالية لها.

من جهة أخرى، ومع تزايد وتيرة العنف تزداد الضغوط على الرئيس محمد أشرف غني الذي يواجه حالياً خلافات مع الرئيس التنفيذي، ومنافسه في الانتخابات الرئاسية، عبدالله عبدالله، بشأن تشكيل الحكومة وتعيين الوزراء، الأمر الذي يُعدّ أحد أبرز أسباب ارتفاع وتيرة العنف.

وبحسب المقربين، فإن عبدالله يطلب خمسين في المئة من المناصب الحكومية، ويدّعي أن هذا ما تم الاتفاق عليه بينهما حول تشكيل حكومة وحدة وطنية لإنهاء أزمة الانتخابات، لكن غني يرفض ذلك.

وفي وقت تستغل فيه حركة "طالبان" الخلافات الداخلية، يشدّد العديد من الساسة وزعماء القبائل على تعاون بعض الجهات داخل الحكومة والأمن مع المسلّحين، بهدف إفشال الرئيس الأفغاني، وهو ما أشار إليه واضحاً بعض نواب البرلمان.

وكان النائب في البرلمان والزعيم القبلي، نادر خان كتوازي، قد أكد أن بعض المسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة السابقة، والذين ما زالوا يشغلون مناصب مهمة في الحكومة والأمن، متورطون في أعمال العنف، وهدفهم الوحيد إفشال الرئيس الأفغاني.

كما أشار القائد الجهادي السابق، عبد الرب رسول سياف، في بيان له أن خمسين في المائة من أعمال العنف التي تشهدها أفغانستان عموماً، والعاصمة على وجه الخصوص، تحصل بالتعاون من الداخل، وأن الحكومة بأمسّ الحاجة إلى مراجعة خططها الأمنية، والعمل لإنجاح المصالحة الوطنية الأفغانية.

كذلك يرى كثير من الخبراء أن هناك قوى دولية ومحلية كثّفت جهودها لإفشال محاولات الرئيس الأفغاني لإنجاح المصالحة مع "طالبان". كما أن قيادات في "طالبان" لا ترغب في نجاح المصالحة الوطنية، وبالتالي فالموجة الجديدة من العنف تهدف إلى تقويض جهود الرئيس المبذولة لإنجاح المصالحة الوطنية الأفغانية.

وكان أشرف غني أحرز تقدماً كبيراً في ملف المفاوضات مع "طالبان" خلال زياراته الأخيرة إلى الرياض وبكين وإسلام آباد، وأقنع دول المنطقة بلعب دور في هذا الصدد. كما وعد الجيش والحكومة الباكستانية بالتعاون مع أفغانستان لإقناع "طالبان" على العودة إلى طاولة المفاوضات، غير أن قوى دولية ومحلية وربما بعض الجهات داخل الحكومة الأفغانية وحركة "طالبان" لن ترضى بهذه المبادرة، وربما تبذل قصارى جهدها لتقويض جهود السلام، التي وضعتها الحكومة ضمن أولوياتها، كما يرى بعض المراقبين.

إضافة إلى ذلك، فإن توقيع كابول الاتفاقيتين الأمنيتين مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي كذلك، من أهم أسباب تزايد أعمال العنف، وهو ما يعترف به المؤيدون للاتفاقيتين والمعارضون لهما.

المساهمون