موت على أعمدة كهرباء مصر... وعمل أشبه بالسخرة

16 اغسطس 2016
الصورة
جنود مجهولون يصلحون أعطال الكهرباء(محمد حسام/ فرانس برس)
يواجهون الموت يومياً، ورغم ذلك لا يتمتع عمال الكهرباء في مصر بأي إجراءات حماية أو تحصينات مرتبطة بالسلامة المهنية. وأكثر من ذلك، يعمل هؤلاء من دون تأمين صحي ولا رواتب مجزية. 

إذ نادراً ما تخلو صحيفة مصرية محلية من خبر سقوط عامل كهرباء من أعلى برج إنارة في إحدى المناطق، مشفوع بإفادة تقرير الطب الشرعي بأن السبب يعود لتآكل عمود الإنارة الذي كان يحاول العامل أن يصلحه.

يتحدث العامل في شركة المنارة للصيانة والشبكات، محمد حمدي، عن أزمة يعانيها عمال الكهرباء، وهي قيام الشركات المملوكة للحكومة بتأجير العمال بنظام المقاولة لإحدى الشركات أو المشاريع الخاصة، وهي الحالة التي يسيطر فيها أحد المقاولين على العمال ويقوم بتأجيرهم، دون توفير أدنى حقوق أو رواتب تذكر.

يوضح حمدي أنه إذا توفي عامل الكهرباء (يعمل معظمهم بنظام المقاولة)، فإن أسرته لا تنال
أية حقوق تذكر، وما يزيد من كارثية الأمر أن النقابة العامة للعاملين بالكهرباء تدخل طرفاً أساسياً في التعاقد مع المقاولين أو الشركات الخاصة، وتظل تتفاوض معهم حول المناقصات والأسعار، متناسية أن هناك عمالاً لهم حقوق ويجب المحافظة عليهم.

يروي حمدي حادثاً تعرض له أحد العمال في مشروع استثماري حصل على عمال الصيانة بنظام المقاولة، إذ تعرّض للسقوط عن أحد أعمدة الإنارة وتعرض لكسر في العمود الفقري أقعده عن العمل لفترة تخطت الثلاث سنوات، دون أن يوفّر المقاول أية تعويضات مالية أو راتباً يحمي العامل وأسرته، وردّ التقرير الفني سبب السقوط إلى عدم استخدام العامل لأحزمة الأمان.

أمّا أسباب عدم استخدام تلك الأحزمة وأدوات الحماية، فهي تعود، وفق حمدي، إلى عدم توافرها غالبية الوقت، و"إذا كانت موجودة فجميعنا يعرف جيداً أنها غير صالحة للاستخدام نتيجة لوجود فساد في الغالبية العظمى من المشاريع الاستثمارية، تحت سمع وبصر اللجان النقابية الرسمية".

من جهته، يقول العامل في شركة كهرباء شرق الدلتا، أحمد يسري، إن عمال الكهرباء في مصر من أكثر الفئات عرضة للمخاطر، خصوصاً أنهم يعملون في ظل بنية تحتية منهارة تماماً، مدللاً على ذلك بأن غالبية عمال الصيانة ومن يقومون بإصلاح الأعمدة في الشوارع يتعرضون لخطر السقوط نتيجة عدم صلاحية العمود وتآكل المادة التي أنشئ منها.
بالإضافة إلى إمكان أن يضطر عامل كهرباء لإصلاح أحد الخطوط أو الشبكات أو أعمدة الإنارة في الشارع، دون أن يتأكد أحد من قدرة الشبكة المركزية على فصل التيار بصورة حقيقية، نتيجة لانهيار الأنظمة والشبكات التي يعمل من خلالها العمال، ما يعرضه للصعق بالكهرباء وصولاً إلى الوفاة.

يشير يسري إلى أن العديد من العمال لقوا حتفهم نتيجة حالات فساد وإهمال داخل الشركات التي يعملون بها. وفي أغلب الأحيان لا يحصلون على حقوقهم، بفعل وجود أزمات كبيرة في اللوائح التي تنظم حقوق العمال. ويؤكد أنه غالباً ما تنتج حالات الوفاة بسبب عدم ارتداء العامل السترات الواقية والاعتماد على وسائل الأمان التي هي في الأساس غير موجودة على الإطلاق.

هناك الكثير من المهن الخطرة في مصر، وفق النقابة المستقلة للعاملين بالكهرباء، إلا أن العمل
في مجال الكهرباء يعد من أكثر تلك المهن خطورة على العامل، لأسباب عديدة، منها أن عمال الشبكات يعملون على خطوط توتر كهربائي تصل قدرتها في أقل التقديرات إلى ما يقرب من 11 ألف فولت، وهو ما يتسبب بتعرضهم لأمراض عديدة، مثل السرطان أو العمى أو غيرها من الأمراض المزمنة.

يضيف مصدر النقابة أن هناك مئات العمال العاملين بالصيانة في الشوارع سواء في إصلاح أعمدة الإنارة أو في إصلاح الإسلاك، ما يعرضهم للصعق نتيجة وجود انهيار تام في البنية التحتية، وأحياناً نتيجة اختلاط شبكات الصرف بشبكات الكهرباء، ما يؤدي لصعق العامل أو إصابته، وقد يؤدي لكوارث أخرى تصل حد الحرائق.

وعن التعويضات التي يحصل عليها العامل أو أسرته في حالة الوفاة، يقول المصدر إن القوانين واللوائح التي تنظم عمل عمال الكهرباء تمنح العمال حق التعويض المادي إذا تعرضوا للإصابة، لكن الأزمة في مصر ليست أزمة قوانين بقدر ما هي أزمة تفعيل وتنفيذ القوانين.

وعن اتهام عمال الكهرباء للنقابة الرسمية بأنها تدخل شريكاً في التفاوض مع المقاولين الذين يستأجرون العمال دون أن توفر لهم أدنى حقوق، يوضح المصدر أن النقابة الرسمية بعيدة كل البعد عن هضم مصالح العمال، وأنه كان الأولى بها أن تكون طرفاً في التعاقد حتى تحفظ للعمال حقوقهم.
ويلفت المصدر إلى أنه بالإضافة إلى غياب أدوات الحماية ووجود فساد مالي وإداري في الشركات العاملة في مجال الكهرباء، فإن هناك نقصا واضحا في التدريب لعمال الكهرباء من أجل حمايتهم من مخاطر العمل في مجال يتسم بالخطورة، مثل مجال الصيانة أو الشبكات.

أمّا عضو رابطة عمال الكهرباء، فيؤكد أن العاملين في الكهرباء يعانون من الرواتب المتدنية جداً، مشيراً إلى أن هناك بعض القيادات التي تبقى طوال اليوم في مكاتب مكيفة وتتقاضى رواتب تصل إلى عشرة أضعاف عمال الصيانة، الذين يبقون في درجات الحرارة المرتفعة وفي المطر ويتعرضون للصعق والموت والإصابة دون أن تلتفت إليهم الدولة.

ويختم قائلاً إن آلاف العاملين في شركات الكهرباء نظموا اعتصامات عديدة للمطالبة بزيادة الرواتب وتوفير الرعاية الصحية ووسائل الأمان والحماية نتيجة تعرضهم للموت والصعق والسقوط عن أعمدة الإنارة المنهارة، وبالرغم من ذلك فإن الدولة بمؤسساتها كافة لا تراعي أي مطالب للعمال وتتركهم فريسة للموت البطيء.

دلالات