موت سريريّ

14 يوليو 2020

نعيش في حفلة من الإنكار حتّى الهذيان في لبنان. من يرتاد أماكن السهر والمطاعم ومحلات الألبسة وغيرها، يدرك جيداً أننا نطمر رؤوسنا في الرمال، علّ الأزمة تمضي، ونمضي بعدها إلى حياتنا الطبيعية.

يمرّ لبنان اليوم بأسوأ أزمة اقتصادية يعيشها منذ نيله الاستقلال عام 1943، هذا إذا سلّمنا جدلاً بأن وطننا مستقل أصلاً. حتى من عاصروا الحرب الأهلية بويلاتها تسمعهم يردّدون مقولة واحدة: "عالقليلة بالحرب كان في مصاري".

شيئاً فشيئاً تضمحل الطبقة الوسطى، ويتسع الشرخ الاجتماعي أكثر فأكثر، ونسير بسرعة نحو الانهيار الكبير، كمن يركب القطار السريع في مدينة الملاهي مع كلّ مطباته ومفاجآته على طول الطريق. هناك، النهاية واضحة، لكنّنا في لبنان نعيش في ظلّ طبقة حاكمة أمعنت في السرقات، حتى تخال أنك في فيلم هوليوودي متقن نصاً وإخراجاً.

نجلس ونشاهد ما يحصل عاجزين عن وقفه أو توقع نهايته. هناك من يؤمن بنظرية المؤامرة ويسوّق لها تحت عنوان "في شي أكبر مني ومنك عم بصير". وهناك من فهم اللعبة جيداً وركب موجة الفساد متلطياً بشعارات محاربته وكشف الفاسدين. وهناك من يعلم يقيناً أن نهاية هذا الفيلم ستكون تراجيدية، وأن التخلص من آثاره النفسية سيتطلّب وقتاً طويلاً.

شيئاً فشيئاً تضمحل الطبقة الوسطى، ويتسع الشرخ الاجتماعي أكثر فأكثر، ونسير بسرعة نحو الانهيار الكبير

 

وطني اليوم يشبه مريضاً في حالة موت سريريّ. فئةٌ لا تزال تعتقد أنه سيستفيق بأعجوبة، وأخرى تعلم أنّ ما باليد حيلة. وهناك من، بكلّ وقاحة، يتمنّى سراً أن تُنزع أجهزة التنفس عنه، وأن يُعلَن موته رسمياً، ليتنصّل من جريمة قتله وهو حيّ.

ما أخشاه حقاً، أن يستفيق وطني يوماً، فلا يجد من ينتظره، أو أن يموت، وما من أحد لينعاه.

ريما أبو خليل
ريما أبو خليل