موت الجغرافيا

08 مايو 2014   |  آخر تحديث: 05:19 (توقيت القدس)
+ الخط -
ميزة صاعد الأندلسي الذي عاش قبل عشرة قرون، وألف كتابه "طبقات الأمم"، أنه لمس، في ذلك الوقت المبكر، أموراً مهمة على المستوى الاجتماعي. من ذلك أطروحته أن تقدم معارف الأمم يرتبط بتوزعها الجغرافي على سطح الأرض. فالمناخ الذي يتنوع، تبعا لهذه التقسيمات الجغرافية، يلعب دوراً حاسماً في تطوير الطاقات المعرفية لدى الشعوب. هذا ما ذكره فردريك معتوق الذي بدأ كتابه "تطور الفكر السوسيولوجي العربي" بالتنبيه إلى دور صاعد، والذي سبق نظرية مونتسكيو حول "المناخ"، ونظريات ابن خلدون المقاربة هذا الموضوع.

رأى صاعد أن لدى الأمم ذات المناخ المعتدل نباهة على مستوى العلوم والفنون. وفي وقت لاحق، عاكس هذا الافتراض فلاسفة غربيون، منهم مونتسكيو وآدم سميث وجون ستيوارت مل. رأى هؤلاء دوراً للجغرافيا في تشكل الأمم، لكن أخبروا أن الظروف المواتية والمعتدلة قد تمثل جانباً سلبياً. يقول الفيلسوف الفرنسي، جان بودين، من القرن السادس عشر، إن أبناء المناطق الموسرة، والتربة الخصبة، يكونون، في الأغلب، جبناء ومبذرين؛ بينما تجعل البلاد القاحلة أبناءها بالضرورة قنوعين معتدلين، فتراهم مقتصدين حذرين، وكادحين مكافحين.
وأشهر نظرية، في الموضوع، كانت "التحدي والاستجابة" لدى المؤرخ توينبي، والذي رأى وجود مجتمعاتٍ، استطاعت إنتاج حضارة مبدعة، وخلاقة، لأنها وجدت نفسها في تحدٍّ مع الطبيعة ومحاصرة بالصقيع، مثل سكان أوروبا الغربية. على عكس المجتمعات الخادرة حول خط الاستواء، مثل سكان وسط افريقيا وجنوب الهند.

وهذا يشابه قول ابن خلدون، قبل ذلك، إن البدو الساكنين في المناطق الصعبة أقرب إلى الخير والشجاعة من أهل المدن والمناطق المريحة ممن ناموا "على مهاد الراحة والدعة وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم، إلى واليهم والحاكم الذي يسوسهم، والحامية التي تولت حراستهم".

قد نجد هذا الطرح كله متواضعاً بمنظور العلم اليوم. لكن، لنا أن نلاحظ تطور هذا الطرح إلى مضامين جديدة، فما زالت التأثيرات القادمة من البيئة على الناس مؤثرة، بطريقة أو أخرى. فأصحاب نظرية "لعنة النفط" تحدثوا كيف أن الرخاء يؤثر سلباً، اليوم، على الناس والبلدان التي يعيشون فيها. من مظاهر ذلك: الاتكال بثقل على الاقتصاد "الريعي" الذي يعدم تنوع الإنتاج وتوسعه في البلد، ويشيع الثقافة الاستهلاكية، وضعف قيمة العمل، وخمول وتضاؤل القدرة على العمل المؤسسي والمشاركة السياسية.
أصبحت فكرة تأثير الجغرافيا محدودة أكثر من الماضي، علماً أن حكاية "موت الجغرافيا" ليست جديدة. فقبل عقدين، كتب الاقتصادي البريطاني، ريتشارد أوبرين، عن نهاية الجغرافيا، وكيف أن الموقع الجغرافي للدول لم يعد مهماً كما السابق. وانطلق من تطور مسألة التكامل المالي بين الدول، ودور التقنية في دعم هذا الأمر، وتسهيل عمل المصارف والبورصات والتبادل التجاري بين الدول. 
 

تحدث الاقتصادي عن التقنية في وقته، لكن، بعد عقدين تطور الأمر كثيراً. فإذا كانت الجغرافيا تموت، فإن الإنترنت قاتلها الحقيقي. العولمة في زمان الإنترنت أذابت الحدود والفوارق الزمانية والمكانية. ثلاثة أشهر على الإنترنت تعادل سنة من العالم الحقيقي، قال ذلك الفرنسي دو روغلادر، في كتابٍ عن الإنترنت، أصدره أواخر التسعينيات. وفي إنترنت اليوم (السريع، بشبكاته الاجتماعية، تطورت الحسبة. أصبحنا نهرم بسرعة، ربما لأننا نعيش حيوات في حياة.

كذلك انكمشت الأمكنة. أصبح الأمر متسارعاً أكثر في عمليات الشراء والتسوق، واستخدام المطعم نفسه، والتطبيق الإلكتروني نفسه، والموقع نفسه عبر القارات. كان متوقعاً أن هذه العولمة ستصبح مكسباً خرافياً لأميركا، لكن، تبين العكس، فأميركا نفسها تفقد الشركات التي تهرب من الضرائب إلى دول جديدة، وعمالة أجنبية في بلد جديد لا تهتم لموقعه الجغرافي! ومن روّج العولمة وجمالياتها، مثل الكاتب الأميركي، توماس فريدمان، عاد وانقلب على ذلك.

أعمق من ذلك كله، أنه حين تتقلص الجغرافيا، سيحدث "تقارب ذهني"، يطال أهل الأرض، فالأفكار معدية. كمسألة انتشار الديمقراطية بين الشعوب، فمن يشاهد نجاحها في بلد سيتأثر سريعاً. لذا الدول، في "موجات الديمقراطية" الشهيرة التي مرت بالعالم، لم تقفز إلى هذا التحول فرادى!. وهناك عوامل ثقافية مساعدة لمسألة انتشار التقارب الذهني، كمسألة تضاؤل آلاف اللغات المهددة، والتي تندثر اليوم بسرعة، وانقراض وظائف، وظهور أخرى، غير مقيدة بمكان.
البشر اليوم لا تتقسم أفكارهم وتتوزع بحسب الجغرافيا، لم تعد خرائط الجغرافيا ترسم خرائط الفكر، كما كان الأمر سابقاً. في ذلك الوقت، كانت الأمم معزولة، وتلوك معارفها وحدها إلى درجة كبيرة. الأمم المنعزلة تعاني، اليوم، والأمم التي تتغير وتنشط، إنما تفعل ذلك، لأنها راقبت غيرها، ولاحظت أفكار تنمية وعدالة وتقدم لديها. من جهة علم الاجتماع السياسي، هذا عامل مؤثر جداً.
 
 
 
85E9E8E1-EE94-4087-BB96-D28B3C71079C
عبد العزيز الحيص

كاتب سعودي