مواقف مبهمة في مصر

مواقف مبهمة في مصر

17 أكتوبر 2017
الصورة
+ الخط -
هناك أحداث غامضة كثيرة في مصر، لم يُكشف عنها النقاب بعد، كان لها تأثير كبير في تحوّل الدفّة أو التصادي الدرامي لبعض المواقف بعد ثورة 25 يناير 2011، وهناك أسرار وتفاصيل كثيرة، لم يتم الكشف عنها حتى اليوم، وعلامات استفهام كثيرة لم تجد إجابات. فهذه الأيام تمر ذكرى مذبحة ماسبيرو التي قام فيها أفراد من الجيش المصري، بدهس متظاهرين مسيحيين بالمدرعات أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون في منطقة ماسبيرو في القاهرة، عندما نظم آلاف المصريين المسيحيين مسيرة للمطالبة بالتحقيق في جريمة هدم متطرفين كنيسة في قرية في جنوب مصر، وتفاصيل أخرى لا تزال غامضة، وقرارات كثيرة ووقائع عنف، كأحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء.
ماذا حدث في الـ18 يوما في أثناء ثورة يناير 2011، وماذا دار بين حسني مبارك والمجلس العسكري، أو بين المجلس العسكري واللواء عمر سليمان، مدير المخابرات العامة وصندوق مبارك الأسود في ذلك الوقت. وماذا كانت ترتيبات 3 يوليو 2013، وما الذي تغير بعد ذلك، فالمعروف أن أجهزة الدولة العميقة وإمبراطورية العسكر التي لا يعلم عنها أحد فوجئت بقيام ثورة 25 يناير، على الرغم من صدور عدة تقارير إلى مبارك، قبل عام 2011، تحذّر من إمكانية قيام ثورة، بسبب تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتصاعد الغضب. لم تكن تلك الثورة على هواهم بالطبع، فمثل تلك الهزّات المفاجئة تضر بالمصالح السرية الراسخة، ولكن كان هناك جزء يرغب في إطاحة إمبراطورية جمال مبارك ورجال الأعمال، لصالح انفراد إمبراطورية العسكر بكل المصالح والخبايا الاقتصادية، فقط. ولذلك استغلت المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية السرية قيام ثورة من أجل إطاحة إمبراطورية رجال الأعمال ونجل الرئيس المخلوع حسني مبارك، ثم قاموا بامتصاص الموجة وإضعافها من الداخل وتأليب أطرافها ضد بعضهم بعضا، واستغلال حماقة بعضهم وانتهازية آخرين، حتى جاءت لحظة الانقضاض على الثورة عام 2013 وإقامة نظام عسكري صريح، يحافظ على مصالحهم.

إنه الصراع التاريخي منذ الخمسينيات، بعد إزاحة الملك، بين العسكر والضباط الذين استولوا على السلطة وجماعة الإخوان المسلمين التي تحالفت مع العسكر في عام 1952، وساعدتهم وأيّدت خطاهم قبل التنكيل بهم في 1954، وهو الصِّراع نفسه بتفاصيل مختلفة بعد إطاحة مبارك عام 2011.
ولكن الحياة لم تبدأ منذ 30 يونيو في 2013، فهناك أسئلة عديدة لا تزال بلا إجابة، مثل لماذا قرّر الإخوان المسلمون المنافسة على جميع مقاعد البرلمان، على الرغم من وعودهم المطمئنة بعدم فعل ذلك؟ ولماذا قدموا مرشحا لرئاسة الجمهورية في 2012، على الرغم من وعودهم السابقة، وهم يعلمون حجم التخوفات والهلع الذي سيسببه ذلك؟ ولماذا تبنّوا قبل ذلك مطالب العسكر بإجراء الانتخابات البرلمانية أولا، والانفراد بكتابة الدستور، بدلا من إقرار الدستور أولا، وهو الذي يحدد قواعد اللعبة التي سيشارك فيها جميع الشركاء.
دعونا نتذكر بعض الأحداث والمواقف، ليس بغرض الملاسنة أو جلد الذات، ولكن إن تم النظر إلى تلك اللحظات والمواقف بعين إعادة التقييم والبحث عن دروس مستفادة، فسوف تكون أكثر جدوى وأكثر فائدة للجميع، فقد كانت قضية الدستور وتعديله القضية الرئيسية التي تسببت في الخلافات والشروخ بعد 25 يناير 2011 حتى 3 يوليو/تموز 2013، فقد كان الصراع بشأن فرض الرأي هو أساس الفجوة التي كانت تتسع كل يوم، فلم يكن هناك نقاش جاد بين القوى السياسية المصرية والإخوان المسلمين بشأن قضية الدستور قبل 25 يناير.
لا تزال هناك أسئلة ليست لها إجابات واضحة، إذ لا تزال بعض الظروف المحيطة بها غامضة، مثل إصرار المجلس العسكري على التمسّك بالمادة 189 من الإعلان الدستوري والمادة 60 التي تنص على إجراء الانتخابات البرلمانية أولا قبل الرئاسية، وأن يشكل البرلمان الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، وهي المادة التي مثلت جوهر الخلاف بين التيار الثوري والأحزاب المدنية في جانب وبين المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين وأنصار نظام مبارك في جانب آخر، وكان هذا أول شرخ عميق في صفوف الثورة، حين انحاز الإسلاميون للمجلس العسكري طمعا في السيطرة على البرلمان ولجنة كتابة الدستور. فأحيانا يدور السؤال: هل كان هذا فخّا من المجلس العسكري لاستغلال طمع "الإخوان" وتوسعة الفجوة بينهم وبين باقي القوى الثورية، حتى يحدث ما حدث في 2013؟ يشبه هذا ما فعله بشار الأسد، إلى حد ما، في بداية الثورة السورية، عندما عمل متعمدا على أسلمة الثورة وإبراز دور التيار الإسلامي والإفراج عن مئات من قيادات "القاعدة" وجماعات الجهاد، ثم دفعهم إلى العنف، حتى يتسنّى له بعد ذلك وصم الثورة بأنها مجرد عنف من جماعات إسلامية متطرفة.
استقوى المجلس العسكري، في عام 2011، بالإخوان المسلمين والسلفيين ضد التيار الثوري. ولذلك كان الإصرار المشترك والمصالح المشتركة في انفراد الإسلاميين بكتابة الدستور، بحيث يكون دستورا يحوّل البلاد إلى دولة دينية مع امتيازات كبرى للعسكر، تحافظ على مصالحهم الاقتصادية الخفيّة، ثم اشتعل الصراع بين شركاء الثورة حول قضايا تم افتعالها، كان يمكن حلها بالحوار والتنازل من جميع الأطراف، وأصر "الإخوان" والسلفيون على دستورٍ يؤسس لدولة دينية حسب التفسيرات المتشددة. وعلى الرغم من حل الجمعية التأسيسية الأولى، إلا أن الجمعية الثانية أصرت على إضافة النصوص الخلافية نفسها.

وأتذكر الموقف العدائي الغريب من التيار الإسلامي ضد المعاهدات الدولية، على الرغم من أن تلك المعاهدات هي التي تجعل "بعض" ذوي الضمير في الغرب الآن يدافعون عن حقوق جماعة الإخوان ويرصدون ويرفضون الانتهاكات التي يتعرّض لها أعضاء الجماعة والمتعاطفون معهم. ولذلك أتذكر القيود التي تم وضعها على مواد الحريات في دستور 2012، بعد نقاش حاد وجدال استمر فترة طويلة، أو الإصرار العجيب على المادة 70 من دستور 2012 المتعلقة بحقوق الطفل، والتي تسمح بزواج الصغيرات، والتي صاحبها تصريحات من رموز سلفية تبيح زواج البنت إذا بلغت تسع سنوات.
ثم كانت المادة 219 مثل القشة التي قصمت ظهر البعير، وأكدت المخاوف، وهي التي استجاب فيها "الإخوان المسلمون لضغوط السلفيين وحزب النور (الموالي للعسكر)، وتم الإصرار على تلك المادة الجدلية التي فجرت الموقف، وقطعت الشعرة الأخيرة. أراد السلفيون أحكام القرن الثاني الهجرة وتفسيراته، وخاف "الإخوان" من مزايدات السلفيين فوافقوا على النص، كان يمكن تلافي تلك الأزمة، إذا تم اعتماد اقتراح أن تبقى المادة كما هي، مع التوضيح في الديباجة أن التفسير يعتمد تفسير المحكمة الدستورية السابق، فلا أحد يستطيع تغيير هوية مصر، وها هم السلفيون رضخوا للعسكر في النهاية، وحذفوا المادة وهم صاغرون في دستور 2014، بعدما أوقعوا بالإخوان المسلمين في دستور 2012، وتم تكملة المخاوف بتلك المادة التي تم وضعها في دستور 2012، والتي تتحدث عن أنه لا عقاب إلا بنص في القانون أو في الدستور، وهي المادة التي كان مقصودا بها أن يتم الاستناد إلى الدستور ومادة أحكام الشريعة في تجريم أي أفعال، عندما توجد رغبة ما في تجريمها.
ويمكن القول إجمالا إنه يمكن اعتبار دستور 2014 الأفضل قليلا في مواد الحريات "نظريا"، وإن كان دستور 2012 أفضل في مواد سلطات رئيس الجمهورية. وفي نهاية المطاف، هل تحترم السلطة التنفيذية في مصر أي دساتير أو قوانين؟ وهل توجد أي آليات وضمانات لتنفيذ مواد الحريات في دستور 2014؟ وهل توجد آلية لوقف تلك القوانين والإجراءات غير الدستورية التي يتم إصدارها فجأةً أو خلسةً بشكل شبه يومي؟ أم أن الدستور كالعادة في مصر مجرد حبر على ورق؟