مواطنو الخليج الغني بالنفط في مهبّ التقشف وخفض الدعم

26 أكتوبر 2016
الصورة
ارتفاع أسعار الوقود يرهق الشعوب العربية (وارن ليتل/Getty)
+ الخط -
لم يستفد سكان دول مجلس التعاون الخليجي من الانخفاض الحاد في أسعار النفط عالميا منذ منتصف العام 2014 وحتى الآن، فبدلاً من تراجع أسعار المحروقات اتجهت الحكومات إلى إلغاء الدعم على الوقود ورفع أسعار معظم المشتقات البترولية، مما أثقل كاهل المواطنين والوافدين.
وسارعت دول الخليج إلى طرح بدائل لدعم ميزانياتها بعدما واجهت عجزاً للمرة الأولى لبعض هذه الدول، على خلفية انخفاض أسعار النفط أكثر من 60% منذ منتصف 2014، من 115 دولاراً للبرميل إلى أقل من 30 دولاراً، قبل أن تسترد الأسواق جزءاً من خسائرها وترتفع الأسعار إلى أكثر من 50 دولاراً للبرميل في الفترة الأخيرة.
وفي ظل الخطط التقشفية لدول الخليج، ارتفعت أسعار الوقود أكثر من 50%، مقارنة بنهاية العام الماضي، بعد إلغاء الدعم وتحرير الأسعار، حسب تقارير رسمية، وفي المقابل وفّر الدعم لخزينة السعودية على سبيل المثال نحو 4.4 مليارات دولار سنويا، ويأتي أغلب التوفير من البنزين الذي يسهم في 65% من إجمالي الموفورات.
وشكّك محللون اقتصاديون خليجيون في فرضية تحمّل الدولة أعباء ثقيلة بسبب الدعم، وشدّدوا على أن أسعار الوقود في دول الخليج تحقق ربحا للدولة حتى مع وجود الدعم، لكونها تحصل على النفط بشكل شبه مجاني من حقولها، وتكرره في مصافيها.
ويؤكد الخبير المالي السعودي، حمود العمري، لـ"العربي الجديد"، أن المشكلة لم تكن في أسعار البنزين المقدم للمواطن، لأنه في كل الحالات كان يباع بسعر أعلى من التكلفة وكان يحقق هامش ربح، حتى ولو كان أقل سعرا من الدول المجاورة، لأن النفط في نهاية المطاف يأتي مجانا من باطن الأرض.
ويقول العمري: "إن الهدر لم يكن من الوقود المخصص للمواطن، فمع أن استهلاك السعودية اليومي للوقود يبلغ نحو 4 ملايين برميل يوميا، إلا أن 33 % من هذه الكمية تذهب لشركات البتروكيماويات للتكرير، ويصدر أكثر من 90% منه للخارج".
ويشدد العمري على أن المواطن ظلم حتى في أسعار الكهرباء، بعد أن حملوه مسؤولية الهدر فيها، مضيفاً: " الارتفاع الكبير في استهلاك الطاقة يأتي من القطاع الصناعي، وهذا مثبت فعليا في تقارير الشركة السنوية، وهو يبلغ ثلاثة أضعاف الاستهلاك المحلي، ولكن من دفع الفاتورة في نهاية المطاف هو المواطن".
من جهته قال الاقتصادي السعودي، خالد الجوهر، لـ "العربي الجديد"، إن التقارير التي تم نشرها لتأكيد هدر المواطنين في الطاقة كان مبالغاً فيها. ويقول الجوهر: "كل التقارير التي تتحدث عن هدر المواطن، وأنه يستهلك 40 برميلا في اليوم كانت تقارير خاطئة، وكان المراد بها تمرير رفع سعر البنزين والكهرباء، فاستهلاك المواطن أقل على الرغم من أن لا وسيلة نقل متاحة أمامه سوى السيارة".
ويشدد الجوهر على أنه من غير المعقول المقارنة بين السعودية والإمارات في أسعار البنزين لأن الأخيرة لديها نقل عام متطور، وعدد سكان أقل.

وفي نفس السياق، يؤكد الخبير المالي، والمدير التنفيذي لشركة دراية الاستثمارية في السعودية، فايز الديري، على أن الدولة رفعت الدعم عن أسعار الوقود بشكل جزئي، لتكون قريبة من سعر التكلفة، ولكن بشكل عام لا يجب أن تكون حسبة أسعار الوقود والطاقة في الخليج هي ذات الأسعار في الدول الأخرى، لأنه في نهاية المطاف، يأتي النفط بتكلفة شبه مجانية في الخليج.
ويقول لـ "العربي الجديد": "بلا شك الدولة خففت من نفقات الدعم، وحققت فوائد مالية، والمواطن يدفع الثمن".
وبلغ استهلاك السعودية من البنزين والديزل في العام الماضي نحو 192.3 مليون برميل للبنزين، ونحو 731.1 ألف برميل يوميا للديزل.
وفي الكويت، كانت أولى البدائل المطروحة أمام الحكومة بها لدعم الميزانية الحد من دعم السلع، الذي يشكل ربع الموازنة المهددة أصلا بتفاقم عجزها ليصل إلى 60% من إجمالي الناتج المحلي خلال السنوات المقبلة.
وفي مطلع أغسطس/آب الماضي، تم الإعلان عن رفع أسعار البنزين لأول مرة منذ تسعينيات القرن الماضي، لتصبح مرتبطة بالأسعار العالمية، لتشهد الكويت ضغوطاً معيشية غير مسبوقة.
وحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء الكويتية (حكومية) فقد ارتفع معدل التضخم في أسعار المستهلك في الكويت، خلال شهر أغسطس/آب، ليصل إلى 3.8% على أساس سنوي من 3.6% على أساس سنوي في يوليو/تموز.
ويقول المحلل الاقتصادي الكويتي، عبد المجيد الشطي، لـ"العربي الجديد": "بدلا من تحميل المواطن مسؤولية العجز المتراكم في موازنة الدولة، فهناك ضرورة لإقفال أبواب الهدر كافة، ولعل أبرزها الحد من الامتيازات والتوظيف العشوائي للخبراء والمستشارين، إضافة إلى ارتفاع معدل رواتب موظفي الدولة التي تلتهم أكثر من 65% من الميزانية العامة البالغة نحو 63 مليار دولار".
وطالب الدليمي بالحد من ترشيد مصاريف الوزراء وبدلات السفر والمؤتمرات.
وفي مطلع الشهر الجاري، اتفقت الحكومة مع مجلس الأمة على منح كل كويتي يحمل رخصة قيادة (يقدر عددهم بنحو 563 ألفا)، 75 لترا من البنزين الممتاز شهريا، أي بما يساوي نحو 21 دولارا، وهو قرار لاقى رفضا واسعا على الساحة الشعبية وأفضى بالنهاية إلى حل مجلس الأمة واستقالة غالبية الوزراء.
وفي المقابل، يرى المحلل المالي الكويتي، عدنان الدليمي، في حديثه مع "العربي الجديد"، أن الساحة الاقتصادية تحتاج إلى إعادة تنظيم مستوى الدعم بما يصب في مصلحة الإنتاج، ويعود بالنفع على البلاد وشعبها، وإلا فإن كل تأخير في معالجة تفاقم العجز في الميزانية ستكون فاتورته أسوأ على الوضع الاقتصادي للدولة.
وفي الإمارات لجأت الحكومة إلى تسعير الوقود بشكل شهري، بناء على الأسعار العالمية، إلا أن الأسعار زادت بشكل كبير رغم انخفاض أسعار النفط العالمية، وهو نفس ما حدث في قطر بعد أن قررت وزارة الطاقة والصناعة، في أبريل/نيسان الماضي، إعادة هيكلة أسعار الوقود في السوق المحلية، وتحرير الأسعار وربطها بالسوق العالمية للمشتقات النفطية، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار، حسب التقارير الرسمية.

المساهمون