مواجهات الهُويّات المصنوعة في مصر

27 اغسطس 2017
الصورة
لا تتعلق مواجهات الهوية التي تنشغل بها هذه المقالة بالتي أعقبت ثورة 25 يناير في مصر بشهرين، وقادت، في التحضير لاستفتاء 19 مارس/ آذار 2011، إلى أولى بذور الشقاق والخوف في مصر، فالمخاض الذي تشهده مصر الآن يتضمن مواجهة بشأن قضية مصطنعة للهوية، يُراد لها أن تكون مربعات المستقبل الصغيرة التي تسجن فيها عقول شبه طائفية، يراد لها أن تكون صورة عن "عالم الأفكار" في مصر، وأن تقود من خلاف إلى خلاف، يدفع مصر إلى الدوران السرمدي في المربع رقم 1 على غير هدى، إلا ذاك "الهدى الفرعوني" الذي "لا يرينا إلا ما يرى"، عبر إعلام "الأذرع"، ويحاول أن يستبدل بها هوية حقيقية، يراد لها أن تخمد، وأن يرسم ملامح حضور عضوي إيجابي لسائر الهويات المشاركة في مصر المقبلة.
تتحرّك دعوة التيار المدني في مصر إلى احتواء الجميع لبناء حركة اجتماعية - سياسية، بما في ذلك احتواء أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، لمحاصرة جهود حشر مصر في مربع الصراع الهوياتي ذي الطابع الديني، والذي تجتهد إدارة 3 يوليو لترسيخه بالتحرّك في اتجاهات متعددة. ويحظى الدين الإسلامي بأكثر الجهود في هذا الصدد، حيث تقسم هذه المساحة إلى ثلاثة أقسام بين "متشدّدين" و"إرهابيين"، يضاف إليهما فريق الاعتدال الذي لا يُراد له ولامتداداته الرحبة أن تتحرّك بعفويتها واستعدادها العلمي، بل تتحرّك في سياقٍ موجه يحبسها فيه "حابس الأذرع"، حيث تستخدم الكتلة الموصوفة بالاعتدال في الصراع مع غيرها، ليستمر إنتاج الحالة نفسها من المواجهة، طالما توفرت الحاجة لدى إدارة 3 يوليو لاستحضارها لتغذية مسيرة الشيطنة التي تحرم الكتلة المدنية من شريك مهم وفاعل في بناء الحركة الوطنية الجامعة الجديدة.
ومن جهة أخرى، تتحرّك الدولة لإبقاء الكنيسة المصرية في المربع نفسه الذي سبق لحسني 
مبارك أن حبسها فيه، مربع "الحماية مقابل المساندة". وفي هذا السياق، تتبنى إدارة 3 يوليو، كما إدارة مبارك، تعريفا للحماية، يجعلها تعطي للكنيسة ما يكرّس مسار الطائفية، وتمنع عنها ما يعزّز مسار المواطنة، فتخضع الكنيسة لعملية ابتزاز طائفية مستدامة، ترى فيها نفسها طرفا رابحا، طالما تحصل على "تنازلاتٍ" من قبيل دور العبادة، وغيرها من القضايا التي يفترض أنها حق طبيعي لها في دولة تدّعي المدنية. وهي خبرة تشبه خبرة علاقتها بإدارة مبارك، مع اختلاف بسيط، يتمثل في أن هذه الإدارة كانت تقيد حق بناء دور العبادة، وتتوسع في "امتياز" مواجهة "حرية العقيدة" لصالح الكنيسة التي كانت تعتبره مكسبا أيضا، على الرغم من أنها في الحالتين تكرّس لنفسها مكانة طائفية، تجعلها مستنفرة دوما لصالح الدولة. ترى القوى المدنية أن مرد هذا الاستنفار لصالح الدولة أن من شأن الموضع الطائفي الذي تنزوي فيه الكنيسة أن يهدّدها بزوال الجهة التي توفر لها الحماية خلال قبوعها في تلك الزواية. ولعل هذا الوضع ما يفسر مطالبة الكاتب والصحفي هشام جعفر المجتمع السياسي المصري باستعادة الأقباط إلى مربع "الحاضنة المجتمعية" الذي يوفر لهم أمنا مطلقا، بدلا من الأمن الظرفي الذي تكابده، وهي المطالبة التي تمكّن من تسريبها في العاشر من أغسطس/ آب الجاري، من محبسه في سجن العقرب غير الآدمي.
بدا التحرّك في هذا السياق جامعا لأطياف المجتمع السياسي المصري، وكان موضوع الإجماع فيه قضايا عدة مشتركة بين الجميع، ولم يكن من بينها قضية واحدة "مصطنعة"، حيث تبدى هذا الاجتماع ضمن معالجاتٍ ومواقف تجاه قضايا عدة من الأداء الاقتصادي المزري الذي راح البسطاء من المواطنين المصريين ضحيته، وحتى قضية اعتصام عمّال المحلة، مرورا بقضايا سيادية، مثل "إخلاء سيناء" و"سد النهضة" و"قروض الدولار" و"تيران وصنافير"، وحتى قضايا جماهيرية مباشرة، مثل قضية تصفية الوجود البشري في جزيرة وراق العرب لتسليمها لمستثمر إماراتي، بعد توفر سوابق بيع من هذه النوعية، كان أبرزها قضية مطار النزهة في الإسكندرية. ويبدو أن تأسيس الحركة الاجتماعية على هذه القضايا أكثر نجاعةً من تأسيسها على "المعارضة الصلدة" التي نادت بها خبرات قطاع من السياسيين المصريين في المهجر، لأسباب لا يتسع المقام لذكرها.
بتحليلك النصوص الصادرة عن رموز هذا التوجه الآخذ في التشكل، تجد أنها تؤسس للإيمان بتعدد دوائر انتمائنا وتنوعها، بين ما هي دوائر هوية تتجاوز الدائرة الوطنية (العروبية – الإسلامية – الدائرة الإنسانية)، وما هو تحت سقف الدائرة الوطنية من عوالم الأفكار المختلفة والأديان والانتماءات الحزبية والمهنية وحتى الرياضية، وتؤمن أن تفرقنا إثر دائرة هوياتية هو محض مسارٍ نجد معه دوائر انتماء أخرى تجمعنا، ربما أدناها فريق رياضي نشجعه، وأعلاها دائرة وطن يجمعنا جميعا، أو سفينة تقلنا جميعا، وجب علينا جميعا العمل على صون سلامتها، وإلا فالويل الويل. إننا بصدد ترميم أو إعادة بناء "التيار الأساسي للأمة المصرية"، وقاعدته "المواطنة" و"المصلحة الوطنية".
يستوعب هذا التوجه في بناء الحركة الاجتماعية الجديدة كوارث فترة الاستقطاب الذي شهدته مصر إثر إذكاء الخلافات بين التيارين، الإسلامي والمدني، طوال فترة حكم إدارتي أنور
السادات ومبارك، والتي بدأت باستغلال فترة المحنة الناصرية التي كابدتها جماعة الإخوان لموازنة النفوذ الناصري في مصر، والتي شهدت أوجها في العقد الأول من فترة حكم إدارة مبارك، لتتراجع لاحقا إلى مربعٍ تمكن السيطرة عليه أمنيا، والتحكّم فيه، تارة بالإذكاء وتارة بالإخماد بحسب الضرورات الأمنية/ السياسية. بدا في خاتمة التفاعل أن المواجهات لا تفيد إلا طرفا واحدا، بات الجميع يرونه سائرا بمصر إلى مصيرٍ لا يرتضيه لها غيور عليها، باستثناء من ينتفع أو من يخضع ليحافظ على مكاسب له باتت رهينةً في يد هذا الطرف السلطوي، بحكم تغييب القانون واستحضار عصا الأمن الغليظة بأطيافها المختلفة من القمع، وحتى المصادرة، مرورا بآليات التصفية المعنوية المختلفة.
سعي إرهاصات الحركة الاجتماعية الجديدة إلى محاصرة "توظيف" الهوية الدينية بهذه الصورة أقرب، في تقديري، إلى روح الأسماء الثمانية عشر الأولى من ثورة يناير، والتي شهدت تقاربا بين الجميع، حافظ فيه كل طرفٍ على رؤاه وأفكاره ومعتقداته، ولم يروا في هذا الإصرار تهديدا لحالة التعاضد التي لم تكن تلقائيةً وحسب، بل وتمدّدت، يوما بعد يوم، لتصل إلى ذروتها يوم موقعة الجمل. هو إذا موقف واع بحضور الهوية، ومتفهم لقيمتها. ولهذا الداعي، أظن أن الإشارة إلى وجود الضامن "الأزهري" هو من نافل القول في هذا السياق، ناهيك عن أن هذه الحركة تتضمن قوى ورموزا إسلامية وسلفية، شارك بعضها في 30 يونيو (لا أقصد هنا حزب النور)، وكان بعضها ضمن تحالف دعم الشرعية وقرّر الخروج منه، وما زال بعضها ضمن القوى المكونة لهذا التحالف.
ما زالت الصورة قيد التشكل، وما زالت مسيرتها تبذل ما في وسعها، لتوسيع تيارها المرشح مع اتساعه ليكون تياراً أساسياً. ويتحدث نائب رئيس حزب الوسط، عصام سلطان، في رسالة سربها أخيرًا من محبس العقرب أيضا، مستخدما "استعارة رياضية"، ليشير إلى استمرار انتقال "الجماهير" من "مدرجات" 3 يوليو إلى مدرجات الحركة الوطنية. ولم يفت سلطان، كما هشام جعفر، أن يدعو إلى إصلاحاتٍ "إخوانية" تدعم حركة انتقال الجماهير، غير أن تبلور هذا المسار يحتاج اجتهادات متبادلة على مستويات متعددة، ربما يتسع لها مقام تال.