مهن صيفية في غزة لمواجهة البطالة والفقر

26 اغسطس 2018
الصورة
شباب كثيرون يسعون وراء المهن الموسمية(عبد الحكيم أبو رياش)
+ الخط -


في مدخل سوق الزاوية التاريخي الشعبي وسط مدينة غزة، يصفّف الشاب الفلسطيني عبد الرؤوف الزرد صناديق فواكه العنب وينسق القطوف بعضها فوق بعض بطريقة لافتة أثناء مناداته على البضاعة، في محاولة لجذب الزبائن.

ويبدأ الزرد يومه الصيفي بزيارة مزارع العنب والتين في منطقة الشيخ عجلين جنوب غربي مدينة غزة، إذ يحصل على صناديق الفاكهة، ويتوجه لبيعها في السوق، أملاً في توفير قوت عائلته، نظراً إلى انعدام فرص العمل في القطاع المحاصر.

ويقول الزرد لـ"العربي الجديد" وهو أب لثلاثة أطفال، إنه يقوم بتسديد ثمن الفواكه بعد بيعها، في حين يقوم بتوفير المستلزمات الأساسية لعائلته من خلال العائد البسيط الذي يجنيه من تجارته، حيث إنه لا يملك أي دخل ثابت، بخلاف عمله المؤقت.

ويشير إلى أنه عمل في عدة مهن مؤقتة، مثل بيع السجائر، بيع المشروبات الساخنة، إلى جانب العمل في مطبعة ورقية، وشركة أجهزة كهربائية، مضيفاً: "أحاول التنقل خلف الرزق، وبعد انتهاء موسم الصيف، سأتوجه للعمل في الفواكه الشتوية".

أما زميله يوسف مقداد، وهو أب لخمسة أطفال ويسكن في غرفة مع عائلته بغزة، فيوضح لـ "العربي الجديد" أنه كان صاحب بسطة سجائر أمام مجمع الشفاء الطبي، لكنه أغلقها لعدم وجود عائد، فصادفه شخص، واقترح عليه تزويده بالفواكه الصيفية، والتجارة فيها.

وبدأ مقداد بالفعل العمل في بيع الفواكه الصيفية ومنها التين، العنب، التفاح، المانجو، وغيرها، غير أنه يشير إلى أنّ الموسم الماضي كان أفضل، وذلك نتيجة ارتفاع أسعار بعض الفواكه، بسبب ندرتها، وحرق كمية كبيرة منها بفعل درجات الحرارة العالية.

ويوضح مقداد، الذي يبيع الفواكه على ناصية مجمع الشفاء الطبي نتيجة عدم قدرته على استئجار محل، أنه يعمل بالأساس في إنشاء المباني والعمارة، لكنه توجه للأعمال المؤقتة نتيجة الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال المواد الأساسية والتي أثرت في عشرات المهن.

وبالاتجاه إلى شاطئ بحر غزة، يلاحظ المصطافون انتشار مئات الباعة المتجولين على طول الشريط الساحلي، من مدينة رفح جنوباً حتى مدينة بيت لاهيا شمالاً، ويزداد الإقبال عليها نتيجة رخص ثمن بضائعهم، وتناسبها مع الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتتنوع أصناف البضائع التي يتجول بها أصحابها بين: الحلويات، المسليات، الفواكه، المشروبات الساخنة، العنبر (وهو فاكهة التفاح المُحلاة)، المثلجات والمرطبات، الألعاب البحرية، المشويات، الذرة، الماء المثلج، المكسرات، وغيرها من المعروضات.

وتقتصر تلك المهن على موسم الصيف فقط، حيث يكتظ الشاطئ بعشرات آلاف المصطافين، إذ يعتبر الساحل متنفس أهالي قطاع غزة الوحيد نظراً لانعدام الأماكن الترفيهية وانقطاع التيار الكهربائي وارتفاع درجات الحرارة، وتختفي ملامح البيع والشراء على طول الساحل شتاءً، ويتجه أصحابها إلى مهن موسمية أخرى.

ويطوف أبو محمد درابيه، بين المصطافين والعائلات والأسر الفلسطينية المنتشرة على طول شاطئ منطقة الشيخ عجلين، وهو يحمل ثلاجة صغيرة لبيع المثلجات، برفقة ابنه سامر، موضحاً أنه مضطر لتلك المهنة "المرهقة" لتوفير مستلزمات أسرته المكونة من سبعة أشخاص.

ويبين لـ "العربي الجديد" أنه كان صاحب محل لبيع المثلجات والعصائر، لكنه قام بإغلاقه بسبب عدم قدرته على دفع الإيجار المرتفع، نتيجة انخفاض العائد، وزيادة المصروف اليومي نتيجة انقطاع الكهرباء لساعات طويلة.

ويشير درابيه إلى أنه يعمل إلى جانب بيع المثلجات نهاراً على عربة صغيرة لبيع المشروبات الساخنة ليلاً: "أحاول تقسيم العمل، إذ يزداد الطلب على القهوة والمشروبات الساخنة ليلاً"، مبيناً أنه لا يستطيع السير بالعربة على الشاطئ بسبب عدم القدرة على دفعها نتيجة كثافة الرِمال.

وعلى طول "كورنيش" بحر قطاع غزة وداخل الأحياء، تنتشر عشرات صالات الأفراح، والتي تفتح أبوابها مساءً، وتفتح معها مجالاً جديداً لمئات الباعة المتجولين، وأصحاب البسطات الصغيرة، غير القادرين على استئجار محال تجارية.

وتكتظ مداخل صالات الأفراح بمختلف أصناف المسليات، والحلويات، والمأكولات، والمشروبات الساخنة والباردة والمثلجات، حيث يستغل الباعة وجود مئات المواطنين والأطفال داخل تلك القاعات الكبيرة لعرض بضائعهم.

ويحاول الباعة استغلال موسم الصيف نهاراً وليلاً، عبر بيع تلك المعروضات، للتغلب على الواقع الاقتصادي الصعب الذي فرضه الحصار الإسرائيلي والإغلاق المتواصل للمعابر، إذ تغلق تلك الصالات أبوابها شتاءً.

وبعد فصل الصيف، فرصة لعمل آلاف الفلسطينيين المتعطلين. وأظهرت إحصائية جديدة صادرة أخيرا عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن نسبة البطالة في صفوف شباب قطاع غزة، صعدت إلى 61.2% في 2017، بعدما كانت في عام 2007 حوالي 39.8%، لا سيما في الفئة العمرية التي تتراوح بين 15 و29 عاماً.

وبحسب الإحصائية، فإن أعلى نسبة للبطالة كانت في صفوف الشباب خريجي الجامعات، حيث تجاوزت نسبة البطالة بينهم 55.8%. ودفع غياب فرص العمل، خلال هذه السنوات، بالمئات من الشباب للتوجه نحو ترك القطاع الذي يرزح تحت الحصار الإسرائيلي المشدد للعام الثاني عشر على التوالي، والهجرة خارجه.

المساهمون