مهنّد حيال يروي زمن الخراب العراقي

24 اغسطس 2018
الصورة
مهنّد حيال: تجربة شخصية (العربي الجديد)
جاء مهنّد حيال إلى بغداد عند بلوغه 15 عامًا. كان يسكن الناصرية ـ مدينة الشطرة، حيث ولد عام 1985. عاش في هذه المدينة الصاخبة بانفعالاتها وصراعاتها، لكنه درس السينما في "أكاديمية الفنون الجميلة" في "جامعة بغداد"، التي تخرّج فيها عام 2010، قبل تحقيقه أول فيلم قصير له بعنوان "عيد ميلاد ".

فيلمه الجديد "شارع حيفا"، الذي انتهى من تحضيره أخيرًا، نال دعمًا من "مؤسّسة الدوحة للأفلام" في مرحلتي التطوير وعمليات ما بعد الإنتاج، وفاز بجائزة السيناريو من "مختبر جوائز آسيا والمحيط الهادئ للكتابة"، واختير لملتقيات السينما في مهرجاني القاهره وقرطاج، وحصل على منحة مشاركة في "فاينل كات" (1 ـ 3 سبتمبر/ أيلول 2018)، في الدورة الـ75 (29 أغسطس/ آب ـ 8 سبتمبر/ أيلول 2018) لـ"مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي الدولي".

ترتكز الحبكة على ما شهده الشارع العراقي من أحداث دموية وحروب أهلية ومآسٍ عام 2006: تبدأ الحبكة بقنّاص يتربّص بالمارّة من أعلى عمارة في شارع حيفا. ذات يوم، يقتل شابًا أراد إعلان رغبته في الارتباط بامرأة مقيمة في منزل مقابل للعمارة نفسها.

لكن مهنّد حيال لم يعمل على ثيمة واحدة في شخصيات أبطاله، إذْ خلق في الشخصية الواحدة صراعات عديدة بين الخير والشر، ناقلاً بذلك روحية الفرد البشري بتداعياتها وصورتها الحقيقية، التي تختزل الواقع وتنتمي إليه.

"شارع حيفا" تجربة أصعب في الواقع السينمائي العراقي. للمخرج جرأة خوضه إياها. هنا، يتحدّث عن دعمها: "تمّ الدعم باتفاق مع مهرجانات مختلفة، بالإضافة إلى دعمي الذاتي. أول دعم جاء للسيناريو كي أعمل عليه. الآن انتهيت منه، متمنّيًا عرضه هذا العام. إذا لم يحالفني الحظ، فسيُعرض العام المقبل بالتأكيد. العرض يعتمد على المهرجانات الداعمة للفيلم، إذْ يتوجب عليّ عرضه فيها أولاً. طبعًا، سأسعى لاحقًا إلى عرضه في العراق".

عن فريق العمل، قال مهنّد حيال إن منتجي الفيلم هما علي رحيم وهلا السلمان: "السلمان مخرجة وكاتبة، وهي صديقة لي تعيش في لوس أنجلوس. كندية من أصل عراقي. اخترت أن يكون الفريق كلّه عراقيًا، على ألّا تتجاوز أعمار أعضائه 22 عامًا. هذا تحدٍّ بالنسبة إليّ، فيه حسنات وسيئات. لكن حسناته تتوضّح في المستقبل". غالبية الممثلين "وجوهٌ جديدة"، إلى جانب ممثلين معروفين كعلي ثامر، الكاتب والمخرج الذي يمثّل في "شارع حيفا" للمرّة الأولى، ورضاب أحمد، الطالبة في "معهد الفنون ـ قسم المسرح"، وهي تعمل في السينما للمرة الأولى أيضًا، والممثل الشاب وسام عدنان المعروف سينمائيًا، وعلي الكرخي وأسعد عبد المجيد وهما معروفان عراقيًا. إلى هؤلاء، هناك يمنا مروان "إحدى الممثلات الأهمّ" في الفيلم، "لأن دورها صعب وجريء". هي ممثلة لبنانية أمضت في العراق نحو شهر كامل لتصوير مشاهدها.

استغرق تصوير "شارع حيفا" 35 يومًا امتدّت على سنة كاملة: "بعد تصوير 60 بالمائة من المشروع، توقّفنا عن التصوير لإنهاء العمل على المشاهد، وللحصول على تصريحات أمنية. بالإضافة إلى غياب الدعم المادي أحيانًا، وهو أحد أسباب توقّف التصوير أيضًا"، كما قال حيال، مضيفًا أن فريق العمل محتاج إلى تصريح أمني لتصوير مشاهد مختلفة في الشارع نفسه، "كي نتمكّن من نقل صورة عن عام 2006، عندما لم يكن أحدٌ يدخل الشارع لخطورته. لذا، كان علينا منع مرور السيارات فيه لالتقاط صورة حقيقية عن الفترة الزمنية لأحداث الفيلم. أضف إلى ذلك اضطرارنا للعمل على الصوت أكثر من مرة بسبب مشكلات صوتية مختلفة. لهذا كلّه توزّعت أيام التصوير الـ35 على عام كامل. كما أننا كنا نعمل بلا دعم، باستثناء دعم ذاتي بسيط".

إلى ذلك، تحدّث مهنّد حيال عن الأفلام الروائية العراقية، فأشار إلى أهم المشكلات التي تواجهها: "للمشكلات وجهان: الكتابة والتقنيات. هناك مشكلة إنتاجية أيضًا تواجه غالبية السينمائيين العراقيين الذين يفكرون بالأساليب الكلاسيكية القديمة، في وقت يشهد تطوّر مستويات كتابة الأفلام الروائية بشكل سريع". فعدم مواكبة السينمائيين العراقيين التطورَ الحاصل في السينما "يعود إلى انقطاع العراق عن العالم فترة الحصار". لكن، بعد الانفتاح التكنولوجي، "أجد أن هناك كسلاً لدى السينمائيين، وهو ليس ذاتيًّا إذْ يتعلّق بغياب مشاهدة الأفلام والاطلاع على كيفية صنعها". أضاف حيال: "في النهاية، يرتبط الموضوع بالإنتاج. نحن لا نعرف الفيلم الحديث وكيفية إنتاجه، وليست لدينا وسائل تمويل واضحة. حين نقدّم مشروع فيلم إلى وزارة الثقافة مثلاً، لا نعرف متى سيُوَافَق عليه، ومتى تظهر النتيجة. هذه حالة مستندة إلى العلاقات الشخصية، لا أكثر".

وقال مهنّد حيال إن الفيلم الروائي العراقي غير محتاج إلى تقنيين فحسب: "لتكن لدينا الشجاعة الكافية كي نكشف مكامن الخلل في المجتمع، والأخطاء التي أدّت إلى ما نحن عليه، في بلد يتجاوز عدد سكانه الـ30 مليون نسمة. في حالة كهذه، طبيعيٌّ أن يكون هناك 30 فيلمًا سنويًا. لكن المؤسف قوله أن الأفلام المنتجة، على قلّتها، خجولة ومُجاملة، تُحمِّل الآخرين مشاكلنا".
يُذكر أن مهنّد حيال كتب "شارع حيفا" في الـ30 من عمره، وأنهى تنفيذه في الـ33. يقول إنه تمكّن عبره من نقل أفكاره وإحساسه وحياة المدينة التي عاش فيها بين عامي 1985 و2016، وأنه عالجها بفضل تجربته مختارًا هاتين الفترتين الزمنيتين: "ربما لن يُشكِّل "شارع حيفا" نقلةً للأفلام السينمائية العراقية الطويلة، رغم أني أتمنّى أن يفعل هذا. لكنّي أنجزته بوفائي للأشياء، وبأسلوب طرحي للواقع. صدقي يجعله عملاً يُشبهنا، ويشبه المدينة وواقعها".

دلالات