مهمة ألمانيا الثقيلة

21 يونيو 2017
الصورة

ميركل.. الوحدة والتعاون لحل مشكلات أوروبا (19/6/2017/Getty)

+ الخط -
بعد السابقتين في كل من بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، بوصول دونالد ترامب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة، كحدثين يؤشران إلى صعود شعبوي، وبعد الدرس الفرنسي بالمخاطر التي شكلها ويشكلها اليمين الفرنسي المتطرّف على مستقبل فرنسا وأوروبا، حيث حازت مارين لوبان حوالى 35% من أصوات الناخبين في انتخابات الرئاسة أخيراً، وهذا يعني صعوداً كبيراً في شعبية اليمين العنصري في فرنسا. تفرض هذه الأحداث الكبيرة وغيرها من المؤشرات في أوروبا، على عاتق ألمانيا بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل مهمة ثقيلة في قيادة خيار آخر يعزّز الخيار الديمقراطي في مواجهة تصاعد الشعبوية والمد اليميني في أوروبا، وفي مواجهة انعزالية الولايات المتحدة الأميركية وابتزازها العالم.
منذ زيارة ميركل الأولى إلى الولايات المتحدة بعد انتخاب ترامب رئيساً، ورفضه مصافحتها، كان واضحاً أنه لا يرتاح لمكانة ألمانيا في الاتحاد الأوروبي ودورها في العالم، وينظر إليها بازدراء. وكان قبل اللقاء قد انتقد "سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين" التي اعتمدتها ميركل، باعتبارها جالبة المشكلات لأوروبا والغرب، في وقتٍ أصدر ترامب أمراً تنفيذياً بحظر دخول لاجئين من دول إسلامية إلى الولايات المتحدة، وهو ما أوقفت تنفيذه المحاكم الأميركية بوصف هذه الأوامر تمييزية تناقض المبادئ الأساسية في الدستور الأميركي.
لم يقف الوضع عند هذا الحد، فقد عاد الرئيس الأميركي إلى تصعيد الموقف في زيارته
 الأخيرة أوروبا، سواء في قمة الدولة الصناعية السبع، أو في اجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل الشهر المنصرم. فقد كتب حينها على "تويتر"، وهو مكانه المفضل لإعلان سياساته، "لدينا عجز تجاري ضخم مع ألمانيا، كما أنها تدفع أقل بكثير مما يجب للحلف الأطلسي والجيش. هذا سيئ جداً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وسيتغيّر". وهو ما عكس نفسه برفض ترامب تأكيد السياسة التقليدية الأميركية، بالتزام أميركي بالدفاع عن أوروبا في كل الظروف. وهو ما اعتبر تخلياً عن السياسات الأميركية التقليدية في حماية أوروبا من أي خطرٍ بوصفهم شركاء في حلف شمال الأطلسي، وهي الصيغة التي اعتمدتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت من ثوابتها طوال العقود السبعة المنصرمة. ولم يقف الرئيس ترامب عند هذا الحد، فما أن عاد إلى الولايات المتحدة، حتى أعلن انسحاب بلاده من اتفاقية باريس حول المناخ.
لم تتردّد المستشارة الألمانية في الرد على الرئيس الأميركي، من دون أن تسميه، ودعت إلى أن "تأخذ أوروبا مصيرها بيدها"، على الرغم من محافظة ميركل على نبرة هادئة في انتقاد الرئيس الأميركي، فان احتقار الأخير ألمانيا، دفع السياسيين الألمان إلى توجيه انتقادات لاذعة له. وظهرت ألمانيا موحدةً في مواجهة سياسات العنجهية الأميركية، فقد انتقد مارتن شولتز، رئيس الحزب الديمقراطي الاشتراكي المنافس لميركل والمرشح للمستشارية، ترامب واتهمه بـ "تدمير كل القيم الغربية" واعتبر أن الرئيس الأميركي يقوّض التعاون السلمي بين الدول، القائم على الاحترام المتبادل والتسامح، مضيفاً: "على المرء أن يتصدّى لمثل هذا الرجل وعقيدته لإعادة (سباق) التسلح". أما رئيس الكتلة البرلمانية للحزب، توماس أوبرمان، فرأى أن "دونالد ترامب يوضح في تغريداته أنه يعتبر ألمانيا خصماً سياسياً" للولايات المتحدة. وأضاف "هذا وضع جديد. عشنا عقوداً في اليقين بأننا نستطيع الاعتماد على بعضنا بعضاً، بوصفنا شركاء في تحالف، وهذا اليقين لم يعد موجوداً الآن". وجاء الانتقاد الأقوى من وزير الخارجية الألماني، زيغمار غابرييل، نائب المستشارة الذي رفع سقف الانتقادات بحضه أوروبا "على مواجهة الرئيس الأميركي"، ورأى أن الولايات المتحدة "لم تعد تؤدي دوراً قيادياً في الغرب والعالم، ومَن لا يواجه في أوروبا هذه السياسة الأميركية، يكون مشاركاً في المسؤولية. مَن يسرّع وتيرة تغيّر المناخ، عبر تقويض حماية البيئة وبيع مزيدٍ من الأسلحة في مناطق الأزمات، ومَن لا يريد حلاً سياسياً لنزاعات دينية، يعرّض السلام في أوروبا لخطر". ولفت إلى "تغيّر في موازين القوى في العالم"، متهماً إدارة ترامب بـ "تقديم المصالح القومية على النظام الدولي".
لذلك تبدو الانتخابات الألمانية المقرّرة في سبتمبر/ أيلول المقبل ذات أهمية استثنائية، ليس
لألمانيا فحسب، بل وللعالم أيضاً. وبعد أن خسرت ميركل جزءاً من تأييدها بأوساط الناخبين الألمان قبل عامين، بضغطٍ من مشكلة الهجرة التي شهدت ذروتها في العام 2015، عادت لتعزّز هذه الشعبية، وتصبح قائدةً أرسخ من السابق. والخارطة الانتخابية، حسب الانتخابات المحلية في ولاية راين- فيستفاليا الشمالية، قلب الصناعة الألمانية، التي جرت أخيراً تفيد بأن التأييد للحزب الاشتراكي الديمقراطي انخفض إلى 31.21%، وهو أدنى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية في معقل تقليدي له، بينما حصل الاتحاد الديمقراطي المسيحي على 33%، ليكسب 6.7 نقاط مئوية وفقاً للنتائج الرسمية. وفي تكرار لائتلاف ميركل في فترة ولايتها الثانية على المستوى القومي، يستطيع الاتحاد الديمقراطي المسيحي أن يشكل حكومة على مستوى الولايات مع حزب الديمقراطيين الأحرار الذي صعد أربع نقاط ليحصد 12.6% من الأصوات. وفاز حزب البديل من أجل ألمانيا المناهض للهجرة (كان يحظى ذات يوم بتأييد يبلغ 13%) بأول مقاعده في برلمان الولاية بحصوله على نسبة 7.4% من الأصوات. وعلى المستوى القومي، يتقدّم التكتل الذي يقوده الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بزعامة ميركل على الحزب الاشتراكي الديمقراطي بفارق عشر نقاط مئوية في استطلاعات الرأي. وكتب هولجر شميدينج الاقتصادي البارز في بنك بيرينبيرج الألماني في كلمة إلى العملاء: "لم يكن في وسع ميركل أن تأمل في قاعدة أفضل من هذه، لتفوز بفترة ولاية رابعة في المنصب".
انتكاسة الشعبويين الذين دفعوا ببريطانيا إلى طريق الخروج من الاتحاد الأوروبي في الانتخابات البريطانية أخيراً، والمشكلات التي يعاني ترامب منها في الولايات المتحدة، بسبب سلوكه السياسي الشعبوي هناك، عاملان إضافيان يعطيان مزيداً من الزخم للخيار الألماني، بوصفه يدعو إلى التعاون لمواجهة المشكلات والمخاطر والانفتاح لإنجاز عالم أفضل.
ليس المطلوب من ألمانيا، فتح معركة مع الولايات المتحدة، ولا هي قادرة على هذه المعركة، ولا تريدها، ولا أحد يريدها. لكن المطلوب من ألمانيا، في هذه الأوضاع المترديّة في أوروبا والولايات المتحدة، أن تتقدّم الصف، لتقول إن هناك خياراً آخر، خيار الوحدة وتعاون الجميع في مواجهة مشكلات العالم، وأن الانعزالية ليست سوى وصفة للفشل، في عالم مفتوحٍ بات مستحيلاً إغلاقه بسياسات انعزالية.