مهدي بلحاج قاسم: بوب فلسفة وأفكار مزدوجة الهوية

06 يوليو 2019
الصورة
مهدي بلحاج قاسم (تصوير: لينا سودر Léna Soudre)

بقرابة ثلاثين مؤلفاً، في الرواية أولاً، ثم في الفلسفة، أو بالأحرى في نوع مخصوص منها بات يُعرف بـ"البوب فلسفة"، تموقع الكاتب التونسي مهدي بلحاج قاسم (1973) ضمن المشهدَين الفكري والأدبي في فرنسا، بحضور منتظم منذ عقدين على مستوى التأليف، بالإضافة إلى حضور موازٍ في سجالات فكرية خاضها، متّخذاً موقعاً يفلت من التصنيفات، وهو الذي اختار - كما آخرين - أن يبقى على مسافة من الجامعة، ضمن تقليد فرنسي تنضوي تحته أسماء شهيرة مثل جورج باتاي وغي دوبور وموريس بلانشو وميشال أونفري.

مقابل هذا الحضور في الثقافة الفرنسية، نجد أن بلحاج قاسم قليل الحضور في ثقافته الأم، الثقافة العربية، وحتى في بلده الأصلي، تونس، حيث عاش حتى سن الثالثة عشرة. تزداد المفارقة حدّة حين نجد صفحات ويكيبيديا مخصّصة له بالفرنسية والإنكليزية، بل أيضاً بالفارسية والكردية، ولا نجد أثراً للتعريف به بالعربية حتى في أسطر معدودة تتحدث عن انشغالاته وكتاباته، فضلاً عن عدم ترجمة أي عمل من أعماله إلى العربية.

عن هذه "القطيعة" يقول بلحاج قاسم في لقاء مع "العربي الجديد": "لا أدري بشكل محدّد كيف صُنع هذا الوضع الذي يبدو قطيعة، ولكنه ليس كذلك، على الأقل في علاقتي مع تونس". يضيف: "هذه الإشارة قد تلفتني إلى وضعية أعيشها، ويعشيها كثيرون مثلي، هي ازدواجيّة الهوية، فأنا فرنسي في تونس، وتونسي في فرنسا، في الفضاءين يوجد دائماً في نفس الوقت حضور وقطيعة".

لكن في لحظة ما كان ينبغي اختيار لغة للتعبير والتفكير، فلماذا الفرنسية؟ ينفتح هنا صاحب "الجماعة الافتراضية" (2002) على سنوات صباه في تونس، ويكشف أنه عاش فترة صعبة خلال سنوات الدراسة فيها يحمل منها ذكريات قاسية بسبب النظام التعليمي وتعامل المدرّسين مع الأطفال والذي يتّسم وفقه بكثير من الخشونة والتسلّط، ثم حدث الانتقال النهائي إلى فرنسا في سن مبكّرة، ما أوقف تحصيله للغة العربية، وهو أمر من المؤكّد أنه ساهم في تعطيل تواصله بالعالم العربي، لتصبح الفرنسية وحدها لغة التفكير والكتابة والحياة الشعورية.

لكن رغم هذه "القطيعة" اللغوية، توجد علاقة متينة مع تونس يؤكّد عليها بلحاج قاسم، إذ يذكر مثلاً تفاعله مع أحداث الثورة بين 2010 و2011. يقول: "قضيت فترة طويلة ما بعد الثورة في تونس، تحرّكت كثيراً بين مدنها، كنت أحاول فهم أشياء كثيرة، ولا أدري لماذا لم يخطر لي أن أكتب شيئاً. كان هناك بالتأكيد تفاعل عميق للغاية مع ما يحدث".

ظهر اسم بلحاج قاسم على الساحة الثقافية الفرنسية، وهو في بداية عقده الثاني من خلال الرواية، حيث قدّم في 1994 على التوالي عملين، هما: "سرطان" و"1993"، حظيتا بتلقٍ إعلامي جيّد واعتُبر وقتها مع فيرجيني ديبات وآخرين جيلاً جديداً بصدد إحداث قطيعة في الرواية، أسلوبياً ومضمونياً، ويأتي بطرح أكثر راديكالية مِن كل مَن سبقه.

في 1996، أصدر روايته الثالثة "حيوات ومماتات إيرين لوبيك"، حققت نفس النجاحات على مستوى المقروئية والتقبّل النقدي، وبالتالي دعمت موقعه أكثر تحت الأضواء. لم يتوقّع أحد وقتها أن تكون تلك هي الرواية الأخيرة لبلحاج قاسم، حيث انتقل بداية من 1997 إلى شكل كتابة جديد، تاركاً السرد ومقترباً من الفلسفة، أو كما يفضّل أن يسمّيها بـ"الكتابة النظرية".

حدثت هذه النقلة مع كتاب "لانتفورم" (L’antéforme). عملٌ يبدو حلقة بين المرحلتين، من حيث أنه ليس رواية ولا كتاباً تنظيرياً بالمعنى الدقيق. يقول بلحاج قاسم: "صُنّف الكتاب كنص فكري، وأنا أعتبره أدبياً لكنه ليس رواية ولا محاولة، التعبير الأقرب هو "برفورمانس"، لنقل بأنه نصّ أدائي، حيث نجد الفلسفة ربما ولكنها ضمن كتابة تنطلق من العمق الداخلي، تحضر فيها التجربة الجسدية أيضاً، وفي المحصلة هناك الكثير من عناصر السيرة الذاتية".

يتابع الكاتب التونسي قائلاً: "هي لحظة انتقال فكري صادف أن قابلت انتقالاً أيضاً في شكل الكتابة. أعتقد أن مثل هذه الانعطافات في مسيرة أي كاتب لا تكون مرتّبة بشكل كامل، بل يجدر به أن يستمع إلى الصوت الداخلي لأفكاره، والذي سيدلّه إلى الأشكال التي تقدّم إمكانات أداء أفضل لما يريد قوله".

ثمة محطة أساسية في مشوار بلحاج قاسم، لعلها الأشهر، وهي علاقته بالمفكر الفرنسي آلان باديو (1937)، فلسنوات بدا أن الرجلين يجمعها مشروع موحّد تجسّد بالخصوص في كتاب "الحدث والتكرار" (2004) الذي وضعه بلحاج قاسم وقدّمه باديو، وكان الأخير لا يخفي إعجابه بما يقدّمه المؤلف التونسي من أفكار.

في 2011، أصدر بلحاج قاسم كتاباً بعنوان "ما بعد باديو". رسم بذلك خطاً فاصلاً في مسيرته، في نفس الوقت الذي تسلّطت الكثير من الأضواء على الشرخ الذي انفتح بين التلميذ والأستاذ، بعضهم رأى فيه محاولة جديدة من محاولات قتل الأب، فيما انتصر آخرون لرأي بلحاج قاسم في نقد باديو وتسييسه للفلسفة.

عن هذه العلاقة المثيرة، يقول بلحاج قاسم: "ليس من السهل الحديث عن ذلك، أي العودة بالذاكرة إلى لحظة تعتقد أنك انفصلت عنها. لكن يمكنني أن أسترجع انبهاري براديكالية فكر باديو، ثم شعوري بضرورة مغادرة دائرته، هو عبقري لكني في لحظة لم أعد أحتمل نظامه، أعتقد أن هذا الخروج كان طريقة لحماية نفسي". يضيف: "صحيح أن هذه الفترة استمرّت لثماني سنوات، بدت مليئة بالانبهار والمحبة المتبادلة، ولكن هناك مساراً آخر موازياً تسير فيه العلاقات، ففي لحظة تشعر بامتلاء كأس أخرى من المشاعر تحدّد معالم علاقة جديدة".

من زاوية أخرى، يعتبر صاحب "مجتمع" (2001) أن باديو "كان أستاذاً اخترتُ أن أتتلمذ على يديه، ولكن علاقة التتلمذ لا يمكن أن تكون أبدية. أرى أنه من الطبيعي أن يتحول المعلّمون في لحظة ما إلى خيبة أمل". يعود بلحاج قاسم إلى فكرة تأليف كتاب "ما بعد باديو"، فيوضّح: "وجدتُ أنه حين تفترق المسارات أو تتهيّأ للافتراق تُضاء الجوانب الشخصية في عالم الفكر، وقد وجدتُ أن تحليل شخصية باديو مادة فكرية جيّدة فاشتغلت عليها".

مع هذه القطيعة، ارتبط اسم بلحاج قاسم أكثر فأكثر بمجال معرفي صاعد بات يُعرف باسم "البوب فلسفة" كتعبير عن علاقة توطّدت بين الفلسفة من جهة والثقافة الشعبية من جهة ثانية، حيث تتحوّل مواضيع مثل ألعاب الفيديو والأذواق الموسيقية والسينمائية الحديثة إلى محاور رئيسية تأخذ المساحة نفسها التي تأخذها محاور مثل الأخلاق والسياسة والعلم في الفلسفة الكلاسيكية.

لعلّ الاشتغال ضمن هذا المجال يفسّر، في حدّ ذاته، صعوبة انتقال نصوص بلحاج قاسم إلى العربية، فالمفردات المعتمدة كثيراً ما تكون منحوتة من مصطلحات وكلمات من العامية، سواء الفرنسية أو الإنكليزية، وربما من لغة مستعملة في جماعات ما يعرف بالثقافة التحتية فلم تدخل بعدُ إلى القواميس، وهو ما يصنع صعوبة في قراءة أعمال بلحاج قاسم حتى في اللغة الفرنسية.

يرى بلحاج قاسم أنه من الطبيعي أن تكون البوب فلسفة صعبة النقل إلى العربية، فهي نوع من التفكير المجهري في ظواهر مجتمعية وثقافية بعينها. لكنه، ومن منظور أوسع، يعتبر أن "البوب فلسفة" ضحية انتمائها للفلسفة بشكل عام لأن الأخيرة هي في الأصل غير مقروءة جماهيرياً. يقول بشيء من المزاح: "لنأخذ مثالاً أحد أشهر الفلاسفة في التاريخ، هيغل غير مقروء في العربية صحيح، ولكنه أيضاً كذلك في الفرنسية وحتى في الألمانية نفسها".

يشير بلحاج قاسم هنا إلى أنه ليس متأكّداً من كون ترجمة "البوب فلسفة" هدفاً له مشروعيته في الثقافة العربية، يقول: "لا أعتقد أن نقل مجال معرفي مزدهر في ثقافة ما ضرورةٌ للثقافات الأخرى، وهذا يسري على الفلسفة برمّتها، فقد لا تكون ضرورة بمنهجياتها وتعريفاتها الغربية، الأهم هو أن تكون في كل ثقافة أدوات تفكير في ما لديها من ظواهر".

"بوب فلسفة" (2005) هو عنوان كتاب حواري بين بلحاج قاسم وفيليب ناصيف، ولعله عمل يرسم شيئاً من علاقة الكاتب التونسي بهذا المجال. لكن، وعلى مسافة عقد ونصف منه، يعتبر المتحدّث أنه يشعر اليوم بعدم الرضا عنه: "لم أعد متأكداً أنه يعبّر عني، هو كتاب عنّي وليس كتاباً لي، وهو عمل ذهب في كل الاتجاهات، وهو ما يشعرني اليوم بأنه كتاب متسرّع".

بشكل عام، يرى بلحاج أن مشروع البوب فلسفة لم ينجح مقارنة بآمالها الأولى، فأن تتناول الفلسفة مواضيع شعبية لا يعني أن تصبح شعبية كما طمح لذلك كثيرون من المنتسبين إليها، يقول: "لديّ قناعة أن السبب هو الأسلوب أو قوالب الأجناس التي نكتب بها. ربما ينبغي اختراع أشكال جديدة. إنه طموح يوتوبي آخر: أن نخترع جنساً كما فعل مونتاتي في القرن السادس عشر".