مهاجرون منسيّون.. بين روسيا والنرويج ينتظرون الخلاص

03 مايو 2016
الصورة
نجحوا ببلوغ النرويج انطلاقاً من روسيا في فبراير (Getty)

في روسيا، ينتظر أبو العبد الإدلبي وعائلته "الخلاص"، خصوصاً أنّ السلطات هناك شدّدت إجراءاتها في إطار تعاون بينها وبين النرويج، يهدف إلى "وقف تدفّق المهاجرين طالبي اللجوء عبر أراضيها".

بعدما كانت السلطات الروسية تسمح للمهاجرين بالعبور نحو النرويج وفنلندا، باتت تضيّق الخناق على هؤلاء السوريين وتمنعهم من التقدّم في اتجاه حدود البلدَين إلا في حالة "حمل الأشخاص تأشيرات دخول إلى أوسلو وهيلسنكي". بتهكّم يعلّق أبو العبد الذي كان يأمل بعد وصوله إلى موسكو في مواصلة طريقه، أنّ "الروس يصوّرون الوضع في سورية، على أنّ لا مشكلة هناك. وعند الحديث عن المهاجرين طالبي اللجوء الذين قصدوا البلاد، يقولون إنهم هربوا من الإرهابيين، ليس إلا". يضيف لـ "العربي الجديد: "هم لا يعترفون بنا كطالبي لجوء، ولا يسمحون لنا أيضاً بالتحرّك لطلب ذلك في بلدان أخرى. من جهتي، كنتُ محظوظاً وعائلتي إذ وصلنا جواً. لكننا ها نحن اليوم، عالقون هنا".

أبو العبد تاجر سوري لا ينقصه المال، "حتى بعدما فقدت تحت القصف عملي"، ويتحفّظ عن أيّ تفاصيل ترتبط بطبيعة عمله. يقرّ: "كنت مؤيداً للنظام، حتى بدأت أرى بأمّ عيني الوحشية الروسية في القصف العشوائي. حصلنا على تأشيرات، وكلنا أمل في مواصلة الطريق. لكنني اليوم أفهم أنهم لا يأبهون بنا، سواء أكنا معارضين للنظام أم موالين له".

مئات العالقين في روسيا، الذين ظنوا أنهم وجدوا طريقاً للهجرة بديلاً عن طريق البلقان، يرتبط مصيرهم ببضعة أمتار تفصلهم عن فنلندا والنرويج. لكنّ موسكو "اختارت مصالحها على ما يبدو، على الرغم من كل الضجيج حول تعاطفها مع الشعب السوري". هذا ما يقوله أسعد وزوجته، سوريان من منطقة جرمانا في دمشق، أصلهما من السويداء (الجنوب).

خلال العام الماضي، وصل خمسة آلاف و500 مهاجر طالب لجوء إلى النرويج عبر الحدود مع روسيا، تحديداً عبر منطقة ستورسكو، بحسب ما أوردت صحيفة "داوبلاديت" النرويجية. وقد ذكرت أنّ أكثرهم وصل على دراجات هوائية. وتشير الصحيفة إلى أنّ "شيئاً ما آخذ في التغيّر في سياسة روسيا في ما يخصّ غضّ الطرف عن طرقات العبور"، إذ إنّها شدّدت الحراسة على الحدود مع البلدين، فنلندا والنرويج، بعد مفاوضات أجريت بين موسكو وأوسلو. وتنتقد منظمات معنية بحقوق الطفل في النرويج الممارسات التعجيزية اليوم، التي تفرض على طالب اللجوء حمل تأشيرة دخول. ويعلّق بعض السوريين: "أصلاً، لا تعطي أي سفارة أو قنصلية في روسيا طالب لجوء تأشيرة. كلّ التهريب كان من خلال مافيا، وتحت أنظار الشرطة الروسية".

يبدو أنّ شهر أبريل/ نيسان الماضي حمل أخباراً سيئة لمن اختار هذا المسار، إذ كشفت وسائل إعلام نرويجية عن "تعاون مثمر بين البلدَين لوقف تدفق المهاجرين خلال الفترة المقبلة، وهي فترة الربيع التي يستغلها بعضهم بعدما وجدوا لأنفسهم طريقاً بديلاً لمعبر البلقان الذي أغلقته أوروبا". والروس وفق الصحف النرويجية، يقولون: "لقد منحنا بعضهم تأشيرات دخول إلى بلادنا، لكن تبيّن أنّ أكثرية الطلبات كانت بلا أرضية وقد استغلها هؤلاء لكي يقدّموا طلبات لجوء إلى بلدان أخرى". كذلك، يبدو أنّ روسيا التي عاشت عزلة ومقاطعة منذ غزوها جزيرة القرم ودعمها الانفصاليين في أوكرانيا، لذا هي "تستغل كل الظروف التي تتيح لها إقامة علاقات ولو على حساب المحتاجين إلى الحماية من أمثال المهاجرين طالبي اللجوء". ووفق ما تنقل "داوبلاديت" الواسعة الانتشار عن الملحق الصحافي في السفارة الروسية في أوسلو، أندريه كوليكوف، فإنّ "تعاوناً مثمراً يجري مع دائرة الهجرة النرويجية ومثيلتها الروسية لوقف التدفق نحو النرويج".




لا يُعرف بعد على وجه الدقة إن كان "التعاون المثمر" يعني قبول الطرف النرويجي بإعادة أكثر من خمسة آلاف مهاجر طالب لجوء، بينهم عدد كبير من السوريين، نحو الأراضي الروسية. في الأفق، يبدو أنّ موسكو ليّنت من موقفها، وتشيع بأنها سوف توافق على استقبال "من يحمل أوراقاً ثبوتية، من الذين دخلوا روسيا بطريقة شرعية"، وفق ما يقول القنصل الروسي في أوسلو، نيكولاي كونيجين. تجدر الإشارة إلى أنّ مهاجرين كثيرين يعمدون لسبب أو لآخر، إلى التخلص من جوازات سفرهم قبل تقدمهم بطلبات لجوء. أيضاً، ثمّة عدد كبير مرّ عبر روسيا تهريباً، بخلاف وضع أبو العبد وأسرته.

إلى ذلك، يفيد شهود عيان سوريون وعراقيون أنّ "الشرطة والجيش الروسيَّين يقيمان الآن حواجز تفتيش على الطريق نحو نقطة غلِب على الحدود، وهو ما يجعل الأمر صعباً للغاية". على الطرف الآخر من الحدود، في ستورسكو، يبدو النرويجيون أكثر تشدداً في المراقبة، بالمقارنة مع ما كان عليه الوضع قبل شهرين. يُذكر أنّ التشنّج في العلاقات بين البلدين وصل أوجه في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، حين اتهمت أوسلو بشكل صريح موسكو، عبر الحزب الحاكم "فرمسكريت بارتي" (الحزب التقدمي اليميني)، قائلة إنّ "روسيا الرسمية تتلاعب سياسياً بأزمة اللاجئين، وهي التي تسيّرها. وإذا استمرت روسيا بتلك السياسة، فإنّ للأمر عواقب وخيمة على العلاقة بين البلدين". وقد أكد الخبير في الشأن الروسي في أوسلو، فليهلم ستينفيلد، صحة "التحكم الرسمي الروسي باللجوء كوسيلة ضغط منذ العام الماضي. لكن يبدو أن العقوبات النرويجية والتهديد بتصعيد الموقف أجبرت الروس على تغيير سياساتهم". وقد انتقد التدخل الروسي في سورية، "الذي أشعل، منذ أواخر سبتمبر/ أيلول، الوضع هناك وذهب بنفسه إلى استغلال أزمة اللاجئين بشكل مقزز".

من جهته، يقول ستيفان أوسكار سارنغو من منظمة حقوقية تدافع عن حق اللجوء في أوسلو لـ "العربي الجديد"، إنّ "كلّ شيء بالنسبة إلى الروس، خصوصاً (رئيس البلاد فلاديمير) بوتين، ليس أكثر من بروباغندا، كما العادة. لقد سمعنا من السوريين بوضوح ما جرى معهم، سواء في سورية أو في رحلة هجرتهم عبر روسيا".

يمكن القول، إنّ ثمن هذا التوافق الروسي - النرويجي، والفنلندي بدرجة ثانية، هو ما يدفعه آلاف من الذين ينتظرون المجهول. من بين هؤلاء، ستة آلاف و780 طالب لجوء في النرويج أُهملوا تماماً. لم يلتقِ بهم أحد ولو مرّة، وأبقوهم منتظرين من دون التثبت من هوياتهم أو شخصياتهم حتى، من قبل دائرة الأجانب في أوسلو. إلى ذلك، ثمّة مقترحات نرويجية بإعادة كل المهاجرين الذين دخلوا العام الماضي، إلى الدنمارك، وهو ما رفضته تماماً حكومة كوبنهاغن.

ويكاد المهجّرون من سورية يجمعون على أنّ "ثمّة تلاعباً كبيراً يجري في قضيّتنا". يقول أسعد وزوجته: "لا نريد البقاء يوماً واحداً لا في روسيا ولا في معسكرات أشبه بالمعتقلات في الدول الاسكندنافية. فليأخذوا النظام السوري، ونحن نعود من دون تردد إلى بلدنا". يوافقهما الرأي أبو العبد الذي كان مؤيداً للنظام حتى وقت قريب.

ويصرّ أبو العبد على القول إنّ "ثمّة مافيات تمتصّ دم الشعب السوري. ومن تلك المافيات ما يخرج على القنوات النظامية. هُرّبت أموال منهوبة، وهي تُستثمَر هنا في روسيا على مستويات مختلفة. هل هؤلاء يفكرون حقاً بمصير الشعب السوري؟". يضيف: "انظروا إلى حالتنا، أسرتي وأنا، ومثلنا الآلاف الذين تتقطع بهم السبل، بسبب هذا الجشع وغياب الضمير وانتشار الأكاذيب. ويتحدّثون عن أنّ ثمّة مؤامرة تريد إسقاط البلد. لم يبقَ حجر على حجر، في حين تورّط المجتمع السوري بثارات يعلم الله من سينقذه منها مستقبلاً". ويتابع: "أعترف بأنّني كنت أصدّق بأنّ جيشنا العربي السوري سوف ينتصر. لكنّ الصورة كلها تغيّرت".

في محاولة للإحاطة بالموضوع، كان اتصال لـ "العربي الجديد" بدائرة الأجانب في أوسلو لسؤالها عما يجري، وإذا كان هؤلاء الآلاف سوف يُعادون بالفعل إلى روسيا، في حين أنّ إعادة بعض هؤلاء إلى سورية قد يُعدّ معارضة صريحة للالتزامات الدولية التي وقّعت عليها أوسلو. لكنّ الدائرة رفضت الردّ، واكتفت بإحالتنا إلى موقعها الإلكتروني الرسمي للتأكد من أنّ "النرويج ما تزال تلتزم بالمواثيق وبكل ما وقعت عليه".