مهاجرون تونسيون... إيطاليا تقرّر تسوية أوضاع بعض المقيمين

10 يونيو 2020
الصورة
"شاطئ الأمان" (فيليبو مونتيفورتيه/ فرانس برس)
+ الخط -

ما زال شباب تونس يلجأون إلى الهجرة السرية على الرغم من كلّ الأزمات، لعلّ آخرها جائحة كورونا. وما زالت إيطاليا تمثّل وجهتهم الأساسية عبر البحر الأبيض المتوسط.

في نهاية شهر مايو/ أيار المنصرم، أصدرت السلطات الإيطالية مرسوماً يقضي بتسوية أوضاع المهاجرين المقيمين على أراضيها بطريقة غير شرعية. وقد زاد الإعلان الإيطالي من اندفاع شبان تونسيين نحو مغامرات الهجرة السرية عبر البحر، كأنّهم يحاولون الاستفادة من آفاق جديدة فتحتها السلطات الإيطالية. إذاً، فتح إعلان إيطاليا طاقة أمل جديدة لآلاف التونسيين الموجودين فيها بأوضاع غير قانونية، وكذلك لهؤلاء الذين يحلمون بالسفر نحو الضفة الشمالية للمتوسط في مراكب الهجرة التي قد تنتهي بهم إمّا في السجون وإمّا في المقابر.

مجدي شاب تونسي يبلغ من العمر 24 عاماً، يؤكد أنّ مخاطر الهجرة السرية لن تمنعه من تجديد المحاولة للوصول إلى شواطئ إيطاليا بعد محاولتَين سابقتَين باءتا بالفشل عندما أعادت شرطة خفر السواحل التونسية المركبَين اللذين كان يستقلهما في رحلتَي "حرقة"، مثلما يسمون الهجرة السرية في تونس. ويقول مجدي لـ"العربي الجديد" إنّ "الطريق بات سالكاً أمام المهاجرين التونسيين للحصول على الإقامة والعمل في إيطاليا، والوقت قد حان للتخطيط لرحلة جديدة نضمن من خلالها الوصول". ويشير مجدي إلى أنّ "الذين نجحوا في بلوغ إيطاليا من أبناء حيّنا أعلموني أنّهم بصدد إعداد ملفاتهم للحصول على الإقامات وأنّ ظروف العمل تحسّنت هناك"، مؤكداً أنّه يرغب في "الاستفادة من هذه الفرصة التي قد لا تتكرر ثانية".

وبحسب المرسوم الإيطالي الذي نشرت القنصلية التونسية في ميلانو، شمالي إيطاليا، نسخة عربية عنه، فإنّ فترة تقديم طلبات حصول المهاجرين السريين على إقامات قانونية التي بدأت في الأوّل من يونيو/ حزيران الجاري ستستمرّ حتى 15 يوليو/ تموز المقبل. والتسوية التي يتضمّنها المرسوم المذكور تسمح للمقيمين على الأراضي الإيطالية بطريقة غير قانونية بالحصول على إقامات مؤقتة لمدّة ستة أشهر في إيطاليا، شريطة أن يكون قد وصل إليها قبل الثامن من مارس/ آذار الماضي وألا يكون متهماً بقضايا مخدّرات أو دعارة أو تهم يمكن أن تُعَدّ تهديداً للنظام العام في البلاد.



يقول الملحق الاجتماعي في القنصلية العامة لتونس بميلانو، فتحي شتوان، لـ"العربي الجديد"، إنّ "المرسوم يمكّن أصحاب العمل الإيطاليين من تسوية أوضاع المهاجرين التونسيين السريين. بالتالي سيكون باستطاعة كلّ مشغّل معالجة شؤون العمّال لديه عبر التواصل مع مكاتب الهجرة على أن تُحترم الشروط الموضوعة". وعن شرط وصول المهاجر السري إلى إيطاليا قبل الثامن من مارس/ آذار الماضي، يوضح أنّ "في ذلك التاريخ أُعلن دخول إيطاليا في حجر على خلفية جائحة كورونا". يضيف شتوان أنّ "المرسوم حصر تسوية الأوضاع بالعاملين في قطاعات الزراعة وتربية الحيوانات والصيد البحري والأنشطة ذات الصلة، إلى جانب العاملين في مجال تقديم الرعاية للأشخاص المرضى أو ذوي الإعاقة الذين لا يستطيعون رعاية أنفسهم وكذلك لأفراد عائلاتهم، وكذلك العاملين المنزليين".

وحول عدد المهاجرين السريين المعنيين بتسوية أوضاعهم، يشير شتوان إلى أنّ "جزءاً فقط من المهاجرين السريين التونسيين يتصل بمصالح القنصلية من أجل الحصول على جوازات سفر جديدة، في إطار تقديم طلباتهم، في حين أنّ المتبقّين لا يقصدون البعثة لعدم حاجتهم إلى ذلك"، متابعاً أنّه "في الإمكان معرفة عدد المهاجرين المعنيّين بالتسوية من قبل السلطات الإيطالية في وقت لاحق، بعد انتهاء مهلة تقديم طلبات تسوية الأوضاع". ويكمل شتوان أنّ "التونسيين الذين تنسحب عليهم الشروط الإيطالية لتسوية أوضاعهم مطالبون بإبراز وثيقة من مستشفى أو إدارة أو حتى وثيقة شرائهم شريحة هاتف مع إثباتهم عدم مغادرتهم الأراضي الإيطالية بعد الثامن من مارس/ آذار الماضي"، مؤكداً أنّ "القنصلية العامة لتونس سهّلت حصول المهاجرين السريين على توكيل أو جواز سفر أو أيّ وثيقة تساعدهم في تسوية أوضاعهم، ما يساعدهم في الحصول على رخصة إقامة مؤقتة لستة أشهر".




وكانت وزيرة الزراعة الإيطالية تيريزا بلانوفا قد أعلنت في وقت سابق عن تسوية أوضاع العمّال المهاجرين الذين طال استغلالهم. وقالت بلانوفا إنّ "الكادحين الذين لا تراهم ولا تسمع لهم صوتاً، يطالبون بحقّهم في العيش الكريم والكرامة الإنسانية. لكن من اليوم فصاعداً ستراهم، لأنّ إقامتهم ستصير شرعية في البلاد".

في سياق متصل، تحدّثت وسائل إعلام إيطالية في نهاية مايو/ أيار المنصرم عن وصول نحو 400 مهاجر يُرجّح أن يكونوا، جميعهم، تونسيين، إلى سواحل جزيرة صقلية جنوبي إيطاليا، وذلك في يوم واحد. وأفادت وكالة "أنسا" للأنباء نقلاً عن الشرطة الوطنية أنّ المهاجرين كانوا قد استقلوا قاربَين أنزلاهم على بعد بضعة أمتار من الشاطئ الواقع جنوبي صقلية، قبل أن يعود أحدهما أدراجه، علماً أنّ هؤلاء المهاجرين فرّوا في مجموعات صغيرة بعد نزولهم على الشاطئ.

ولم يمثّل الحجر الذي فرضته السلطات التونسية بسبب جائحة كورونا حاجزاً أمام الحالمين بالهجرة إلى إيطاليا، فقد تواصلت الرحلات البحرية غير المنظّمة بل ازدادت وتيرتها بحسب منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في تونس. ويقول المتحدث الرسمي باسم المنتدى رمضان بن عمر لـ"العربي الجديد"، إنّ "أزمة كورونا لم توقف محاولات الهجرة السرية نحو السواحل الأوروبية على الرغم من المخاطر الصحية والأمنية"، مشيراً إلى أنّ "العمل على تسوية أوضاع المهاجرين فتح أبواب أمل لشباب تونسيين يتعلقون بهذا الحلم". يضيف أنّ "إيطاليا فتحت باب تسوية أوضاع المهاجرين السريين وفق ما يخدم مصالحها الاقتصادية والاجتماعية بعد الاقتصار على منح الإقامات للعاملين في قطاعات محدّدة من قبيل الزراعة والأعمال المنزلية، نظراً إلى حاجتها الملحة إلى اليد العاملة فيها"، متابعاً أنّ "مهاجرين يعملون في قطاعات أخرى سيظلون في خارج دائرة التسوية في حين يحاول تونسيون آخرون الوصول بأيّ طريقة إلى الأراضي الإيطالية على أمل الانتفاع من الإقامات في مرحلة لاحقة".



ويلفت بن عمر إلى أنّه "من بين دوافع ارتفاع وتيرة رحلات الهجرة السرية، عدم إلمام شريحة من الشباب بتفاصيل تسوية الأوضاع والشروط التي وضعتها إيطاليا"، مشدداً على "ضرورة تمكين المهاجرين في الدول الأوروبية من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية وفق ما تنصّ عليه المواثيق الدولية للهجرة". ويطالب بن عمر بأن "تتعامل الدول الأوروبية التي تستقبل المهاجرين السريين مع هذه الفئة بطريقة أكثر شمولية، وليس وفق مصالحها الخاصة حتى لا يكونوا عرضة للاستغلال المضاعف"، فيما يرى أنّ "الخطوة الإيطالية لتسوية أوضاع مهاجرين تونسيين محدودة الفاعلية".

المساهمون