من يعذّب عبد العزيز بوتفليقة؟

12 مارس 2019
الصورة
+ الخط -
كانت مجرّد شكوك تخامر النفس، تتوارى ثم تؤوب بين الحين والحين، لكنها ظلت تتزايد على مدى نحو ست سنوات، تأكّد خلالها انعدام قدرة الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، على قيادة دفة سفينة بلد المليون شهيد. كما بقي انتهاء عهده، فعلياً، مجرد أقاويل تلهج بها تلك المشاهد المبثوثة في بعض المناسبات، لرجلٍ عليلٍ صامتٍ زائغ النظر بلا حراك، على كرسي متحرك، الأمر الذي أثار علامات التعجب والاستفهام إزاء قبول شعب الثورة المجيدة بهذا الوضع الشاذ.
عندما تعاقبت الأعوام، ولم يتعافَ الرجل، وظلت صورة الكرسي المتحرّك وحدها تسد الفراغ، تخلّق في الذهن سؤالٌ لم يجاهر به أحد، لا من قبل ولا من بعد، "من يعذّب عبد العزيز بوتفليقة إلى هذا الحد، ويجور عليه كل هذا الجور؟". ثم تناسلت من السؤال الأساس أسئلةٌ فرعيةٌ مثل؛ لماذا كل هذا الإمعان في تهشيم صورة مناضل مفعم بالكبرياء؟ ألا يستحق الرجل تكريماً لائقاً به، وبسجله النضالي المديد؟ أليس من حقه الحصول على تقاعدٍ يلائم شيخوخته، وينال استراحةً مستحقةً، بعد أن ألمّ به الداء؟
كان مستهجناً أن يترشح الرئيس العليل لعهدة رابعة عام 2014، بعد أن تعرّض لجلطةٍ دماغيةٍ أقعدته، وأفقدته القدرة على النطق والحركة والتحكّم بوظائفه البيولوجية، وربما عدم استيعاب ما يدور حوله، وفهم ما يصدر باسمه من قرارات. غير أن ما كان مستهجناً أكثر، وشاذّاً للغاية، وصادماً لنحو أربعين مليون جزائري، ترشيحه لخوض سباق انتخابات العهدة الخامسة، وهو في وضعٍ يثير الإشفاق، الأمر الذي فجّر معارضةً عارمةً، وأظهر غضباً شعبياً مكبوتاً وغير مسبوق.
ولعل أبرز ما تجلى عنه الوضع الجزائري، خلال الأسابيع القليلة الماضية، انكشاف حقيقةٍ كانت شبه علنية، ومسكوتا عنها، مفادُها بأن هناك شخصاً بعينه، تحيط به مجموعة خفيّة (يسميها المعارضون عصابة) تُمسك بزمام الأمر، وتواصل التحكم بمقاليد الدولة من وراء ستار، وهو ما جعل الإبقاء على الرئيس المريض في قلب المشهد التلفزيوني توظيفاً شديد الفظاظة لشرعيةٍ دستوريةٍ مطعونٍ بها أصلاً، واستثماراً بالغ الانتهازية لرمزية واحدٍ من رجالات الثورة الملهمة للشعوب.
بعد الاستفاقة الجزائرية الأخيرة، وكسر الجماهير حالة الخوف والصمت، وخروج الموقف عن السيطرة، فيما الرئيس الذي لا حول له ولا قوة راقدٌ في غرفة العناية الفائقة في أحد مشافي جنيف، لم تتورّع الحلقة الضيقة القابضة على مفاتيح السلطة والثروة عن مواصلة اللعبة القديمة، والنطق باسم الرجل غير القادر على التنفس، تارّةً بطلب "عهدة" قصيرة لا يترشح في نهايتها بوتفليقة، وطوْراً بامتداح سلمية المسيرات المليونية، في وقتٍ كان فيه بركان الغضب الشعبي يقذف حممه في كل الولايات.
وأحسب لو أن الرئيس العتيد كان قادراً على النطق، ورأى بأم عينيه جموع النساء والشباب يملأون الشوارع الغضاب، وسمع الهتافات المدوّية "لا للعهدة الخامسة"، وشاهد أيقونة الثورة، المناضلة جميلة بوحيرد، منخرطةً في قلب الحراك الهائل، لخاطب من يحيطون به قائلاً؛ كفى بحق السماء، ارحموني من هذا "الحب" القاتل، أطلقوا سراحي من قيد هذا الكرسي المتحرّك اللعين، فأنا أستحق خاتمةً أكرم، ومكانة أفضل في التاريخ، بدل تلطيخ سمعتي هكذا كمجاهد جزائري عتيق.
لا يغيب عن الذاكرة، ونحن نتابع كل هذا التعذيب المرير لرئيسٍ عليل. صورتان مشهديتان "مهيبتان" لبكاء جماعي نادر وعجيب، الأولى انتحب فيها الكوريون الشماليون، إثر رحيل زعيمهم التاريخي، كيم إيل سونغ، حين ذرف الجنرالات والجنود والرجال والنساء دموعاً مدرارة ساعات طوال أمام العدسات. والثانية بكى فيها الجزائريون في الشوارع والبيوت، وفق ما بثته التلفزة الرسمية، حين أصابت الجلطة الدماغية الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة قبل نحو ست سنوات.
ومع أن تصاريف الأقدار كثيراً ما تكون عمياء، والمصائر غالباً ما تعاند التمنيات، فقد كان من المشرّف للرئيس الذي يحب أن يُسمى بالمجاهد، لو أن حياته السياسية انتهت وهو بكامل عنفوانه، وسط نوبة البكاء تلك، بدلاً من اختتامها هكذا بلا وداعٍ لائقٍ بالقادة الكبار.
45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي