من يطلق الرصاص؟

17 فبراير 2015
الصورة
لم يعرف ولدا "هناية العمر" المتطوعان في جيش بشار الأسد أنهما قتلا أمهما عندما قاما بإطلاق النار بالتعاون مع رفاقهما من الشبّيحة على جموع المدنيين الهاربين من حصار الغوطة إلى العاصمة دمشق". يكتب أحد الأصدقاء على صفحته في فيسبوك. هذا الخبر يمرّ عاديًا على من قرؤوه هذا الصباح، "هناية العمر" لا يعرفها أحد، هي ليست كاتبة وليست ممثلة، ولا هي ناشطة ولا إعلامية ولا مخرجة أفلام وثائقية، وليس لديها صفحة على فيسبوك.
هناية العمر لا يعرفها أحد كي يثير خبر موتها على يدي ولديها في حرب مجنونة أية ردود فعل أو تعاطف. هي مجرد امرأة سورية من غوطة دمشق، ربّما لا تعرف شيئًا عن الثورة، وليست معنية بأحلام التغيير، ولم تسمع كلمة الاستبداد في حياتها. ولا تستوعب كيف يمكن لقيادة بلد وشعب أن تكون هي سبب موت الشعب وخراب البلد، ولا تدرك معنى أن يكون ولداها اللذان ربّما تباهت بهما وهما يحملان السلاح الذي طالما قيل أمامها إنه للدفاع عن الوطن ضدّ أعدائه، عنصرين من عناصر القتل المنتشرة بكثرة في سورية. بالنسبة لها هما ولداها، كيفما كانا ومع أية جهة وقفا. هل تعرف "هناية العمر" من هما الجهتان اللتان على ولديها الاختيار بينهما؟ هل عرف ولداها أنهما سيقتلان أمّهما حين حملا السلاح، وأطلقا الرصاص العشوائي تنفيذا لأوامر لا يملكان ترف الاعتراض عليها؟ أو تنفيذا لقناعة أصيلة أن الحرب المقدسة التي ينخرطان فيها ستنقذ الوطن؟
تشبه حالة الكثيرين في سورية حالة "هناية العمر". هم مثلها، لم يعرفوا يومًا سببًا لسوء طالعهم، ولم يعرفوا سببًا لخوفهم ولم يعرفوا سببًا لبؤسهم. مثلما هم اليوم لا يعرفون سببًا لمأساتهم، ولا يعرفون سببًا لموتهم المؤجّل من ليلة إلى أخرى أو من قذيفة إلى أخرى أو من غزوة إلى أخرى أو من رصاصة إلى أخرى أو من حصار إلى آخر.
لا يعرفون أن ثمة من يتخذ قرار التأجيل هذا، لم يعد الله وحده من يقرر مصائر البشر، ثمّة بشر يقررون هذا معه، وثمة وكلاء للموت وتجّار ينوبون عنه. ثمّة من يشتري الأبناء ليقتلوا آباءهم وأمّهاتهم وإخوتهم. أو في الحقيقة، ثمّة من يشتري يأس الأبناء وفقدان أملهم وحياديتهم الطارئة نحو ما يجب أن تكون أحلامهم.
لا يعرف هؤلاء أيضًا لماذا عليهم أن يكونوا هم الضحايا. من قرّر لهم وعنهم هذا؟ من جعلهم حطب المحرقة وأنهار دم المذبحة؟ من باع رؤوسهم للسواطير وأجسادهم للرصاص وأسقف منازلهم للدمار؟ من قدّم غرائزهم هدية للخراب، وقدّم أرواحهم أعطيات لأوهام الآخرين؟ من جعلهم كومبارس الحرب الذين يموتون جميعًا في نهاية العرض، وجعلنا نحن المتفرّجين الآمنين نشفق على موتهم وندّعي أننا نفعل هذا لنوثّق لحظات نهايتهم وندلّ على الفاعل؟
هل نعرف نحن، المتفرجين الآمنين، من هو الفاعل؟ سنقول: في البداية كان ثمّة فاعل واحد، وكنّا نعرفه جميعًا، وندلّ على حقيقته. سنقول أيضًا: ثمّة الآن فاعلون كثر، وثمّة حقائق كثيرة، كلّ منّا يدّعي امتلاك إحداها ويدّعي فردانيتها. وبينما نحن في أماننا الخارجي نتنازع الحقائق ونتنابذ بها، ونضع النهايات التي نراها مناسبة لحقائقنا، يضيع السوريون في جحيمهم الداخلي من دون أن تتاح لهم فرصة التفكير بما ستكون عليه النهاية. نحن كلنا الصديق الذي وضع خبر "هناية العمر" ذاك الصباح، بينما هم كلّهم "هناية العمر" التي قُتلت برصاص ولديها المتطوعين في جيش "القائد"، وهي تهرب من حصار الجوع والموت الذي فرضه على الغوطة عشرات "القادة" من دون أن تعرف ما هي الحقيقة.
قرار:
سأنقل أنا التي في أماني الخارجي خبر الصديق مع بعض التحوير ليصبح كالآتي: "سورية" أمٌ قُتلت برصاص أولادها المتطوعين بجيوش مختلفة، وهي تهرب من الحصار الذي فرضه عليها القائد المفدّى، ليستفيد من دمها عشرات القادة المفدّين الآخرين، سورية هي الحقيقة الوحيدة.
جواب:
"في الحرب.. الحقيقة هي الضحية الأولى". يقول أسخيلوس.