من وحي مسيحيي الموصل

من وحي مسيحيي الموصل

26 يوليو 2014
الصورة

لبنانيون يعتصمون في بيروت ضد داعش بالموصل (24يوليو/الأناضول)

+ الخط -

تعرّض مسيحيو الموصل العراقية إلى التهجير. ليس الأمر جديداً. فقد سبقتهم إلى هذا الدرب أمم وشعوب بأكملها، خصوصاً في العقد الأخير من عمر الشرق الأوسط. دائماً ما يحصل التهجير لأسباب دينية، وعرقية، وقومية، وغيرها. مسألة واحدة تبقى ناقصة في كل أنواع التهجير: التعامل الانساني.
غضّينا النظر عن كل مهجّر، سابق وحالي ومستقبلي، لا يشبهنا في الدين، أو الوطن، أو العرق، لكن "كرامتنا مُسّت حين تعلّق الأمر بطائفتنا". غضّينا النظر عن إنسانٍ يشبهنا في كل النواحي الانسانية والجسدية، فقط لأنه ليس "من جماعتنا"، ولن نلعب دور "السامري الصالح" حتى، لو تعرّض هذا الإنسان للعذاب والقتل. علماً أن الإنسان واحد في كل الحالات، ولا يختلف عن إنسانٍ آخر، بين بلد وآخر، أو قارة وأخرى، أو دين وآخر.
وصحيح أن مسألة "تهجير شعب من أرضه" غير أخلاقية، ولا يقبلها شرع ولا ضمير، غير أن الإصرار على "مذهَبَة" التهجير يتيح المجال لتهجير أوسع، ضمن نظرية "المؤامرة"، صحيحةً كانت أم خاطئة. فالشرق يتعامل دوماً بمنطق "الدومينو"، أو "ردّ الفعل الغرائزي الأبدي"، بدلاً من إرساء فعل ناضج، لمرة واحدة ونهائية. فقد أظهر تعامل معظم مسيحيي الشرق مع تهجير مسيحيي الموصل، على أنه "تهجير أقلّوي، سيَطالهم حكماً في مرحلة لاحقة"، يتشابه مع تجاهل معظم مسلمي الشرق لهذا التهجير، وكأنَّ شيئاً لم يكن. وكأن العالمَيْن يريدان "تكريس" افتراقهما، على الرغم من "تعايشهما" في منطقة واحدة، أكثر من 1400 سنة، على حساب "الانسان".
هذا ما يعنيه "التكاذب" الذي ساد ويسود وسيسود واقعنا في معظم الدول العربية. ليس صحيحاً أن معظمنا في العالم المشرقي يحبّ التنوّع، ويعمل بوحيه، فكل التجارب السابقة رسّخت قتل الأفكار "التحررية" في شرقنا، سياسية أو عقائدية أو إنسانية، لمصلحة الغرائزية التي تُتيح لنا عيش مفهوم "الإنسان البدائي"، الذي يقتنع بالحدود التي يرسمها الغير، لتُصبح حدوده، لا "الإنسان المتفوّق"، الذي يبحث عن كل حدودٍ ليتخطاها، ويحيا على وقع تخطي الآفاق.
ما يجري في العراق، وسيجري في سورية ولبنان ومصر، وكل مكان توجد فيه "أقلية" دينية، ليس فعلاً غريباً، بل واقع أدركنا أننا سنصل إليه في أي لحظة، لا لشيء، سوى لأننا جهّزنا أنفسنا أساساً من أجل تلك اللحظة، وانتظرنا، بدلاً من المبادرة إلى إنقاذ وجود الإنسان فينا، من طنجة إلى مضيق هرمز.
لم نقتنع بكل ما يجري من حولنا، ولم نرغب في اعتناق العقل مبدأً يُسيّرنا. نحبه، لكننا نريده خارج بلادنا فقط، فتقوقعنا في غرائزيتنا القاتلة. وها نحن ندفع أثماناً باهظة لها، والأسوأ أننا مقتنعون بذلك، ولا نصدّق أن ما يجري "صنيعتنا" أيضاً، بل "صنيعة الآخر" فقط.
ربما، لم يكن ليحصل ما يحصل في شرقنا، لو انصرفنا، بدلاً من إلقاء القصائد وقراءة الأشعار، إلى بناء الإنسان في دواخلنا على أسسٍ صادقة تشبه جوهرنا، لا قشورنا، لكننا سنبقى هكذا، والجيل الآتي من بعدنا سينصرف إلى تأليف الأشعار والقصائد عن جيل مضى. هذه حكايتنا كعرب.