من مسارات الكارثة السورية

26 نوفمبر 2016
الصورة

ثمّة قضيتان تتعلقان بالوضع السوري، تثيران يوميا المزيد من الجدل على صفحات التواصل الإجتماعي، وتؤديان إلى مزيدٍ من الانقسام السوري الذي لم يتبق له مسارٌ إلا وذهب إليه السوريون طوعاً أو قسراً أو ادعاءً أو حقيقة أو رد فعل طبيعياً، تحت ضغط ما حدث ويحدث. الأولى قضية الداخل والخارج، أي سوريو الداخل وسوريو الخارج، إذ في ظل الوضع المأساوي الذي يعيشه غالبية السوريين في داخل بلدهم، سواء في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، حيث يعاني السوريون من القصف اليومي من طيران النظام وحلفائه، ومن القتل والحصار والتجويع وانعدام شروط الحياة الطبيعية، والقضاء على آخر نقاط الأمل بحياةٍ آمنةٍ وكريمة، أو في المناطق التي ما زالت تحت سيطرة النظام، حيث تتحوّل الحياة إلى ما يشبه الكارثة بسبب الغلاء، وسيطرة الشبيحة وعصابات الخطف والسرقة والموت العبثي والتغيير الديموغرافي، والخوف المتزايد من بطش النظام وقوته الأمنية أو أذرعه التشبيحية.

في ظل ذلك ، يلقي كثيرون من سوريي الداخل مسؤولية ما حدث ويحدث على السوريين الذين خرجوا من وطنهم خلال السنوات الخمس الماضية، هرباً من الموت، أو بحثاً عن حياة لائقة وآمنة لهم ولأولادهم، معتبرين أن من خرجوا خانوا الثورة والوطن بهروبهم، وأن إفراغ سورية بهذه الطريقة هو السبب الرئيسي لما يحدث من استفراد النظام وحلفائه من جهة، والكتائب الجهادية المختلفة من جهة أخرى، بسورية والسوريين، واستقدام مرتزقةٍ من كل  أقطار الأرض، ليشاركوا في قتل السوريين، وليحلوا محل من خرج. وعلى الرغم من أن الحرقة والقهر تقف وراء هذا الكلام في أحيانٍ كثيرة، وعلى الرغم من أن خروج السوريين فعلاً أتاح لغيرهم الحل محلهم. طبعا لن نتحدّث هنا عمن هجّرهم النظام بالقوة والقتل والحصار، فهؤلاء من العار تحميلهم أي مسؤولية، وإنما عمّن خرجوا لأنهم لم يحتملوا العيش ضمن الكارثة السورية اليومية، ومن حقهم البحث عن أمانهم، وأمان أولادهم في مجتمعاتٍ تضمن لهم حياة كريمة، وتضمن لأبنائهم مستقبلا لا خوف فيه.

لا يحمل الجميع روح التضحية، ولا الجميع أبطال، والوطن إنْ لم يقدّم لأبنائه الأمان ليس وطناً، ومغادرته وقتها حقٌّ طبيعي من حقوق الحياة، ليس لأحد أن يمنعه أو يعترض عليه. في المقابل، تظهر نغمة أخرى لدى كثيرين ممن خرجوا تعتبر أن كل الباقيين في مناطق النظام هم من مؤيديه، أو من عملائه، وأنه لولا هذا لكانوا غادروا كما غادر الآخرون. يفرض هؤلاء وجهة رؤيتهم على الآخرين، من دون أدنى احترام لخيارات البشر، وحقهم في العيش أينما يريدون وكيفما يريدون، متساوين في هذا مع مخوّنيهم بسبب خروجهم من سورية!

القضية الثانية هي اللجوء، إذ ترتفع أصوات بعض اللاجئين أو المقيمين في أوروبا وأميركا تعترض على منح اللجوء للموالين لنظام الأسد، فإذا كان الحق الأول للجوء يجب أن يكون للذين هجّرهم النظام من بيوتهم، ويقيمون في مخيمات الذل والقهر في الدول المجاورة، فإن غالبية المعترضين على لجوء موالي النظام هم ممن خرجوا من سورية، لأن خطراً يهدّد حياتهم، هو نفسه الذي يهدّد جميع من بقوا في سورية اليوم، بعد التحولات الخطيرة التي طرأت على ثورة السوريين، وتحولها إلى حرب عبثية ومجنونة، أودت بالجميع. ويكاد القتلة فيها يتساوون في إجرامهم، وإنْ بقي للنظام السوري حصة الأسد في الإجرام والقتل.

يمكن القول، هنا، إن الاعتراض سيكون أخلاقياً ومنطقياً، إن كان طالبو اللجوء ممن شاركوا في قتل السوريين فعلا، هؤلاء تجب محاكمتهم، بوصفهم مجرمي حرب. وفضحهم أمام الدول التي تعطيهم حق اللجوء أمر واجب على الجميع، أما من لم يشارك بالقتل، فليس من الإنسانية بمكان الاعتراض على منحه حق اللجوء، لمجرد تأييده نظام الأسد. هكذا سيصبح الاعتراض على  لجوء مؤيدي جبهة النصرة وتنظيم داعش واجباً إنسانيا أيضاً، إذ لا يستطيع أحد إنكار دور التنظيمين في المقتلة السورية، فهل يصبح مؤيدوهما قتلةً أيضاً؟

تعليق: