من قبيلة العبيدات إلى السيسي: البادئ أظلم

21 يونيو 2020
الصورة

صورة لخطاب من شيوخ قبيلة العبيدات الليبية في 1950

"... ولتعلم حكومة مصر أن صداقتنا لها خير من عداوتنا، كما يجب أن تعلم الحكومة المصرية أن أراضينا تمتد إلى شرقٍ براني، وربما إلى مرسى مطروح، فإذا تقدمت مصر بمطالبها إلى هيئة الأمم المتحدة، فإننا سنعتبر عملها هذا عدائياً، وسنرد عليها بالمثل....". هذا جزء من رسالة أرسلها شيوخ قبيلة العبيدات الليبية، الكبيرة والمؤثرة في الشرق الليبي، عام 1950 إلى كل من الأمير إدريس (الملك فيما بعد)، وممثل الأمم المتحدة في ليبيا والقنصل المصري والمعتمد البريطاني في بنغازي وآخرين، احتجاجا على مطالبة مصر حينها بضم الجغبوب ومرتفع السلوم. ومناسبة استحضار هذه الرسالة هنا تصريح الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، من قاعدة سيدي البراني العسكرية، حيث الحدود الليبية إن "أي تدخل مباشر لمصر‬ في ليبيا‬ باتت له الشرعية"، مستندا في ذلك إلى البرلمان المنتخب والمنعقد في طبرق‬، مضيفا أن ذلك سيهدف إلى تحقيق وقف إطلاق النار، وقوله كذلك إن سرت والجفرة خط أحمر لمصر.‬‬ ويأتي استناد السيسي، في تصريحه هذا، إلى البرلمان، حسب رؤيته أن هذا البرلمان مؤسسة منتخبة، بينما المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق في طرابلس نتاج توافقات سياسية وليسا منتخبين، فلا شرعية لهما، بحسبه، ولا لأي اتفاقيات دولية أبرمتها حكومة الوفاق، في إشارة إلى الاتفاقية مع تركيا.
عندما أعلن اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، عن عملية الكرامة، في فبراير/ شباط 2014، كان 
في ليبيا أكثر من مليوني عامل مصري (مسجّلون رسميا). وكانت قد انعقدت عدة اجتماعات بين وزارات ليبية ومصرية بهدف تنظيم أوضاع العمالة المصرية في ليبيا، لرفع أعداد العمال وتوجيههم نحو المهن المطلوبة، وتوفير بنية تحتية مناسبة لهم، كانت أشبه بمشروع لتوطينهم في ليبيا، من حيث بناء مساكن ومجمّعات خاصة بهم. وكانت الأمم المتحدة متشجعة ومتحمسة للمشروع، إلى أن وقع انقلاب السيسي على الرئيس المنتخب، محمد مرسي، ثم سار على نهجه حفتر بانقلابه على الشرعية، وأيده السيسي، فبدأت العمالة المصرية تتسرّب من ليبيا، وتعود إلى مصر أو تحاول أن تبحث لها عن سوق أخرى، نتيجة عبث النظام المصري، وظروف الحرب، وعدم الاستقرار الناتج عن عملية الكرامة. وتكشف حسبة بسيطة حجم التداعيات السلبية والخطيرة لهذا الأمر على المجتمع والاقتصاد المصريين، فلو اعتبرنا أن لدى كل عامل مصري أسرة يعيلها، بشكل مباشر أو غير مباشر، متوسط عدد أفرادها خمسة أنفار، لكانت النتيجة أن عشرة ملايين مصري تضرّروا جرّاء سياسات النظام المصري الكارثية في ليبيا، عدا عن الضرر غير المباشر. وبتوسيع الدائرة، نجد الآثار الخطيرة لذلك على المجتمع، من حيث ارتفاع نسبة البطالة ومعدل الجريمة والانحرافات الاجتماعية 
والسلوكية، بدءا من الإدمان وصولا إلى التطرّف.
وبشأن خطوط السيسي الحمراء حول سرت والجفرة، علينا القول هنا إن حكومة الوفاق تدرك أن الانتصارات المتتالية التي حققتها على مليشيات خليفة حفتر ليست استراتيجية، على الرغم من أهميتها، ويدرك ذلك داعموها (حكومة الوفاق)، وفي مقدمتهم تركيا. وبالتالي، ربما ليس استرجاعها سرت والجفرة من حفتر الهدف الأسمى، ولا نهاية المطاف كما يعتقد بعضهم، بل هو جزء من خطة أوسع، تهدف إلى بسط سيطرة "الوفاق" على مناطق استراتيجية، وأخرى تعتبر حاضنة لعملية الكرامة منذ انطلاقها، كما يعتبرها السيسي تهدد الأمن القومي المصري. من هنا، نجد كيف انسحب مرتزقة فاغنر بشكل سريع من كل المناطق، بدءا من جنوب طرابلس وترهونة وبني وليد، بهدف تدعيم صفوفهم في سرت والجفرة، وكانوا متأكدين أن معركة قاسية آتية في المنطقتين. ومن هنا أيضا نجد هذا التكتيك العسكري المنافي للقانون الدولي، تفخيخ البيوت والشوارع بالألغام المضادة للأفراد، في محاولة يائسة من مرتزقة حفتر لتأخير تقدّم قوات "الوفاق" والثوار نحو الجفرة، وقبلها سرت التي تعرفها قواتها زنقة زنقة، ودارا دارا، إذ خاضوا فيها من قبل ملحمتين عسكريتين، في أثناء ملاحقة كتائب القذافي وقتله فيها، وعند تحريرها من 
قبضة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإرهابهم. ولا يُنسى أيضا ما تسرب من معلومات عن فشل روسيا في إقناع تركيا بإيقاف تقدم قوات "الوفاق" عند الحدود الإدارية لمدينة سرت، فكيف سينجح السيسي فيما فشل فيه الرئيس الروسي بوتين، أقله إلى الآن؟
ربما يرى بعضهم أن العسكر يكرّرون أنفسهم، فعند كل أزمة داخلية تواجههم يقفزون عليها باختلاق أزمة خارجية للتهرّب من استحقاقات الداخل. ومن هنا ربما تدفع الأزمات عبد الفتاح السيسي إلى القيام بقفزة سياسية في الصحراء الليبية، يغوص فيها إلى عنقه في رمالها المتحرّكة، الرمال الممتدة إلى مرسى مطروح وسيدي البراني التي أعلن منها شرعية أي تدخل مباشر له في ليبيا، ونسي تهديد مشايخ قبيلة العبيدات، في خمسينيات القرن الماضي، الحكومة المصرية بأن امتداداتهم القبلية تصل إليها، وأن أي اعتداء على ليبيا سيقابلونه بالمثل، فهل يعي السيسي أن طريق سد النهضة الإثيوبي لا يمر عبر سرت والجفرة، ولا عبر جنرال مهزوم، بل عبر جوار عربي ديمقراطي حر وموحد، وأنظمة منتخبة من شعوبها؟ وهل يعي العرب، كل العرب، أن مياه النيل ليست مسألة أمن قومي مصري بحت، بل مسألة أمن قومي عربي وقضية مركزية لهم، وهو كما قال شوقي:
النِّيلُ العَذْبُ هو الكوْثرْ/ والجنةُ شاطئه الأخضرْ