من دون عمّال الصالات لا يكتمل عمل المخرج

22 يوليو 2020
الصورة
كريستوفر نولان: محامٍ شرس عن الصالات (باربارا ألبِر/Getty)

يصف السينمائيّ البريطاني الأميركي كريستوفر نولان (1970) نفسه بأنّه "محامٍ شرس" في دفاعه عن الصالات السينمائية. الأميركي ريتشارد غلفوند (1954)، رئيس المجمّعات السينمائية IMAX، يقول إنّ أحداً في الولايات المتحدّة الأميركية لا "يضغط من أجل إعادة افتتاح الصالات" هناك، إلا نولان، مُضيفاً أنّه يجهد لتحقيق ذلك "كي تُطلَق العروض التجارية لفيلمه الأخير" (Tenet). نولان غير مُتحمّس لكلام غلفوند، لكنّه يناصر الصالات والعاملين فيها، المغلقة أبوابها منذ منتصف مارس/ آذار 2020 في العالم، بسبب تفشّي وباء "كورونا" المستجدّ.

خطاب نولان غير مرتبط بفيلمه الأخير فقط. في 20 مارس/ آذار 2020، يقول في "واشنطن بوست" إنّ صالات السينما "جزءٌ من الحياة الاجتماعية الأميركية، يحتاج إلى مساعدتنا". بعد أشهرٍ، يُكرِّر موقفه: "في بداية الوباء، أشعر بالحاجة إلى قول هذا" ("بروميير" الفرنسية، يوليو/ تموز ـ أغسطس/ آب 2020). يستعيد نصّ "واشنطن بوست"، ليُبيِّن أبرز عناوينه مجدّداً، وليُصرّ على مسألة أساسيّة بالنسبة إليه: "وراء الأفلام، هناك أناسٌ يعملون لإطلاق عروضها التجارية، ولجعلها مرئيّة". هؤلاء هم المُشغّلون وعارضو الأفلام ومستقبِلو المشاهدين على أبواب الصالات لمساعدتهم على الجلوس في مقاعدهم، والعاملون/ العاملات في مجالات أخرى مرتبطة بالصالة، كبيع بطاقات الدخول والمشروبات والمأكولات المسموح إدخالها إلى الصالات، وعمّال التنظيفات والصيانة، وغيرهم.

"من دون هؤلاء الأشخاص، الذين يُعدَّون بالآلاف، والذين يستقبلون المشاهدين ويُسهّلون مشاهدة الأفلام، يبقى عملي كمخرج غير مُكتمل. يجب التذكير أنّ الحرب ضد "كورونا" ستؤثّر على العاملين في الصالات"، يقول نولان في حواره مع غايل غولَن (بروميير). اهتمامه بصناعة الأفلام خارج بريق السينما يُنبِّه إلى تفاصيل أساسية ومهمّة. إغلاق الصالات ضربة اقتصادية ـ اجتماعية تُصيب كثيرين في العالم. مصيرهم معلّق. أحوالهم اليومية معطوبة. الدعوة إلى إيجاد حلول عمليّة منطلقة منذ اللحظة الأولى. قوانين العمل "ربما" تُساعد، لكن المنطق الرأسماليّ غير مُكترث بعمّال وعائلاتهم. نولان يحثّ على مساعدتهم، ويطلب الإسراع في إعادة الصالات، وهذا ربما لهدفٍ ذاتيّ أنانيّ، لأنّ له فيلماً جديداً يرفض عرضه عبر منصّات ومواقع إلكترونية مختلفة. لكنّ كلامه يعكس واقعاً أليماً، والتنبّه إلى "تشريد" آلاف العاملين في قطاع السينما مطلوبٌ وملحّ، والعمل على إيجاد حلول عمليّة ضرورة لها الأولوية أيضاً في زمن "كورونا".

صالات عدّة في أوروبا وبعض العالم تُعيد فتح أبوابها ضمن شروط السلامة العامّة، والتزام التباعد الاجتماعي والوقاية المطلوبة (كمّامات، قفّازات، إلخ). صالات أميركية تخطو تلك الخطوة، لكنّ ارتفاع عدد المُصابين بالفيروس في ولايات أميركية مختلفة مخيفٌ، ما يستدعي تنفيذ قرارٍ غير مُستحبّ: إعادة إغلاق صالات عدّة أمام المُشاهدين. سينمائيون يُصرّون على عرض أفلامهم الجديدة في الصالات التجارية، لكنّهم يصطدمون بواقعٍ مزرٍ، يُسبِّبه استمرار الفيروس في التفشّي. آلاف العاملين في خدمة المُشاهدين والسينما يريدون حلولاً تلائمهم، وأصحاب مجمّعات وشركات معنية بالعروض والصالات تبحث عمّا يُرضي الأطراف كلّها، لكنّ الأولوية لهم. المصيبة كبيرة، ومع هذا، لا بُدّ من حلّ.

اهتمام كريستوفر نولان بهذا الجانب من العمل السينمائيّ نادرٌ في أروقة الصناعة السينمائية. موزّعون ومنتجون ومخرجون يرون في عرض أفلامهم عبر منصّات ومواقع أفضل من إبقائها في المخازن بانتظار إعادة فتح الصالات. يبحثون عن منافذ لتقديم أفلامهم إلى أكبر شريحة ممكنة من المشاهدين، وغالبيّة هؤلاء غير مكترثة بتقنية المُشاهدة، فالمُشاهدة لها أهمّ، ومتابعة نتاجات السينمائيين تتطلّب تغاضياً عن شكل المتابعة والمُشاهدة. هؤلاء يوافقون على عروضٍ مغرية مالياً ومعنوياً، يحصلون عليها من منصّات ومواقع، لكنّهم غير منتبهين إلى مسائل تنبثق من موافقتهم تلك: المساهمة في مزيدٍ من سطوة المنصّات والمواقع على الإنتاج والعروض والمُشاهدة، وعرقلة البحث عن حلولٍ لأزمة العمل السينمائيّ، التي يتحدّث نولان عنها دائماً.

أصحاب صالات يريدون إعادة فتحها لاستعادة حيوية المشاهدة فيها، مع ما يعنيه هذا من تحريك للعمل المرافق لصناعة الأفلام. لكنّ سطوة المنصّات والمواقع غالبةٌ الآن كغلبة "كورونا"، والمواجهة لن تكون سهلة في المقبل من الأيام. الأموال التي تدفعها المنصّات لعرض أفلامٍ جديدة، أو لإنتاج أفلام جديدة (ولهذا الأخير نقاشٌ لا مكان له هنا الآن)، تطرح مجدّداً سؤال الصناعة السينمائية المقبلة، إنتاجاً وعروضاً وتوزيعاً ومُشاهدة.