من درعا إلى سورية

الصورة
على خلاف الحال في شمال غرب سورية، الواقع تحت نفوذ تركي مباشر، أو شمال شرق سورية الواقع تحت نفوذ أميركي، تبدو درعا اليوم المحافظة الأكثر عصاميةً في معارضتها نظام الأسد. ينشط المعارضون لنظام الأسد هناك، من دون وجود سندٍ يحميهم سوى التضامن الأهلي الذي تهالك أيضاً بتأثير تعدد التشكيلات المسلحة المعارضة وتباينها، كما بتأثير تطاول الصراع وثقل وطأته على الأهالي. إلى هذا، لم تكن درعا مكاناً مناسباً للتنظيمات الجهادية التي أثبتت دائماً أنها تمتلك قنوات خفية لدعم وفير لا ينقطع. وعلى الرغم من أن هذه التنظيمات حضرت في درعا، إلا أنها لم تستطع أن تسود الساحة، كما فعلت في غير مكان من سورية. 
في مايو/ أيار 2017، اعتبرت درعا من ضمن مناطق خفض التصعيد الأربع التي اتفق عليها في أستانة، وكانت الفصائل العسكرية المعارضة تسيطر على حوالي 70% من المحافظة. في صيف 2018، مع ميل أميركا إلى الخروج من سورية، انحصر الاهتمام الأميركي في الجنوب السوري بالقلق الإسرائيلي من الوجود الإيراني قريباً منها شمالاً، وبضمان عدم وقوع مجزرة بحق الفصائل التي كانت تحت مظلة أميركية. على هذا، تولت روسيا تشكيل الفيلق الخامس من القسم الذي يقبل من هذه الفصائل، مع السماح بخروج من لا يقبل منهم إلى إدلب.
كما تولت روسيا (عقب زيارة قام بها وزير الدفاع الإسرائيلي إلى روسيا في مايو/ أيار 
2018، وافقت خلالها إسرائيل على عودة الجيش السوري إلى جنوب سورية حتى الحدود، شرط عدم مشاركة المليشيات التابعة لإيران في العملية) إعادة قوات النظام إلى الجنوب السوري، مع الالتزام بشرط إبعاد المليشيات التابعة لإيران عن الحدود. انطلقت عملية درعا العسكرية بدعم روسي في 26 يونيو/ حزيران 2018، وانتهت بعد حوالي الشهر (31 يوليو/ تموز) بسيطرة النظام على المحافظة، بناء على توقيع اتفاقية حميميم بين الفصائل المعارضة والنظام بضمانةٍ روسية. في تكرارٍ لما جرى مع منطقة خفض التصعيد الأخرى في الغوطة الشرقية بين فبراير/ شباط وإبريل/ نيسان من العام نفسه.
وصلت المرحلة العسكرية من الصراع في درعا إلى نهايةٍ ميتة، غير أنها نهايةٌ لم تعن موت إرادة الأهالي الذين ما زالوا يقاومون. ما تشهده درعا اليوم يجمع بين كونه امتداداً لثورة آذار 2011 وكونه موجة جديدة. هو امتداد لأن مقاومة استبداد النظام في المنطقة لم تتوقف منذ اندلاع الثورة، وهو موجةٌ جديدةٌ لأن المظاهرات التي تخرج اليوم تحمل خبرة جديدةً لم تكن متوفرة في بداية انطلاق الثورة، وهي الخبرة الملموسة بعدم ملاءمة الخيار العسكري، وعدم جدواه. نحن اليوم أمام مظاهراتٍ ترفع لافتات تقول "لا للحرب"، وهي في هذا شبيهةٌ 
بشعارات السلمية التي ردّدتها المظاهرات في عام 2011، ولكن مظاهرات درعا اليوم ترفع لافتاتٍ لم نشهدها من قبل، لافتاتٍ تدين عملية القتل الانتقامية لتسعة من عناصر الشرطة في ناحية مزيريب، وتسميها جريمة. في هذا استيعابٌ لدرس مهم يقول إن على الحراك أن ينظف نفسه باستمرار من الجرائم التي يمكن أن تُرتكب باسمه.
من ناحية ثانية، تكشف مظاهرات درعا بروز طابع محلي لم يكن في مظاهرات الموجة الأولى من الثورة، بدلاً من "جنّة يا وطنا" يتردّد اليوم "حوران جنة"، كما ترفع لافتاتٍ تؤكد أن "حوران جسد واحد"، بدلاً من "الشعب السوري واحد"، يعكس هذا جانباً من تضعضع الوطنية السورية، لا يخفيه ترديد شعارات الموجة الأولى، مثل "إدلب نحنا معاكي للموت". لا يغيب عن البال أن في إدلب امتداداً ديموغرافياً لدرعا، ذلك أن الأولى تحتضن اليوم أيضاً عائلات مقاتلي الثانية الذين رفضوا التسوية مع النظام، وخرجوا إلى إدلب في 2018.
بعد سنوات الصراع التسع السابقة، نجد في درعا أشكالاً مختلفة من العمل ضد نظام الأسد. بقايا مقاومة مسلحة يشكلها القسم من الفصائل العسكرية التي رفضت المصالحة، وبقيت بسلاحها الخفيف في البلدات التي يُمنع على النظام دخولها بموجب اتفاقية التسوية المضمونة من روسيا، والتي تضمن للبلدات "سلطة محلية شبه مستقلة". إلى جانب هذا، تنبثق مقاومةٌ سلميةٌ جديدةٌ يرجح أنها من الجيل الشاب الجديد الذي يدخل الميدان بوعي كفاحي جديد، غير أن هذا التجاور بين الشكلين سوف يهدّد الفعل المقاوم نفسه وفق آلية يجيدها النظام، وهي 
الاستفزاز وتوليد رد فعل عسكري مضادّ يستثمره ضد المقاومين السلميين، كما حصل في مارس/ آذار الماضي في بلدة الصنمين، والذي يتكرّر شبيهه اليوم في بلدة طفس.
يبقى السؤال اليوم، كما كان في الأمس، هل يمكن الحفاظ على سلمية ثورةٍ ضد نظام لا يتوانى عن إطلاق الرصاص الحي ضد المتظاهرين؟ هل تغيرت الشروط التي دفعت الثورة في 2011 إلى السلاح؟ تقول الخبرة السورية إن السلاح فشل في نصر ثورة السوريين، ليس لأنه فشل في إسقاط النظام، بل لأنه أفشل إمكانية إيجاد مركز استقطاب سياسي ثوري، يجمع السوريين على أساس وطني وديموقراطي وأخلاقي. بدلاً من ذلك، أوجد السلاح مراكز متعدّدة متنافسة، وتنافس نظام الأسد في الفساد والاستبداد وانعدام الوطنية والأخلاق. وعلى ضوء حاجة السلاح إلى المال والرعاية الخارجية، وميله العام إلى إسكات الأخلاق، ورفع صوت العصبيات غير الوطنية، ليس من السهل الإجابة بنعم عن السؤال: هل كان يمكن للسلاح أن يسير في طريق آخر؟
يبقى إذن الخيار السلمي الذي تظهر براعمه من جديد في درعا، والذي يرفض العسكرة، ويتبرأ من الأعمال الجرمية. قد يكون في حضور الضامن الروسي بعض الحماية للمتظاهرين، في ظل التعارضات السياسية التي تبرز بين نظام الأسد الرافض أي تسوية وروسيا التي تدفع باتجاه تسوية سياسية ما في سورية تخرجها من المأزق الحالي. ولكن حتى لو أخمدت المظاهرات تحت الرصاص الحي، تبقى النتيجة في الميزان البعيد أفضل من نتيجة الخيار العسكري الذي خبرناه في سورية دماراً على المستويات كافة.
تعليق: