من داخل الزنازين ومن خارجها

26 اغسطس 2019
الصورة
(منذر جوابرة، من سلسلة "زمن مكسور"، 2016)
+ الخط -

مِن المفيد أن نبدأ حديثنا عن أدب السجون بالإشارة إلى أنّه كلُّ ما كُتب عن السجون، سواءٌ من داخلها أو من خارجها، وسواء عاش الكاتب تجربة السجن أم لم يعشها؛ فمضمون روايتَي "شرق المتوسّط" و"الآن هنا" لعبد الرحمن منيف، مثلاً، هو الاعتقال والسجن والتعذيب. وحسب علمي، فإنَّ الرّوائي عبد الرحمن منيف لم يعش تجربة الاعتقال والسجن، لكنه يعرف أنَّ هناك سجوناً واعتقالات وتعذيباً في كلّ دول شرق البحر المتوسّط دون استثناء.

وأدب السجون ليس جديداً في الأدب العربي؛ ففي صدر الإسلام، كتب الحطيئة قصيدةً يستعطف فيها عمر بن الخطاب الذي سجنه بسبب هجائه أحد الأشخاص، كما كتب أبو فراس الحمداني قصائد حين كان أسيراً عند الروم عُرفت بـ "الروميات". كما أنّ أدب السجون معروفٌ عند الشعوب كافّةً وعبر مختلف مراحل تاريخها. وإذا تحدّثنا عمّا كتبه فلسطينيّون في هذا المجال، فبرأيي هو "أدبيّاتٌ" أكثر منه أدباً؛ فقد صدرت عشرات الروايات والدواوين الشعرية والنصوص الأدبية الأُخرى لأسرى فلسطينيين كتبوها داخل سجون الاحتلال، أو بعد أن تحرّروا من الأسر، أو كتبها أشخاص عاشوا التجربة من خارج السجن، كما هو الأمر بالنسبة إلى المحاميَين جواد بولس ووليد الفاهوم.

صحيحٌ أنَّ جزءاً من تلك الكتابات هو أدبٌ بامتياز، ويندرج تحت تصنيف الرواية أو القصّة أو القصيدة، لكن هناك نصوص بعيدة عن الأدب. ومع ذلك تبقى تجربةً لافتة وتستحق العناية. هنا تجدر الإشارة إلى أنّ "نقّاداً"، وهم في غالبيتهم قرّاء، كتبوا "نقداً انطباعياً" حول أدبيات السجون، وأشادوا بكتابات دون المستوى. وذلك أمرٌ عاديٌ؛ إذْ يدخل ذلك في باب التعاطف مع قضايا الأسرى وحقّهم في حياة حرّة وكريمة.

وفي "ندوة اليوم السابع" الثقافية الأسبوعية التي نُقيمها في "المسرح الوطني الفلسطيني" بالقدس المحتلّة من 1991، ناقشنا عشرات الإصدارات التي كُتبت عن السجون، من داخلها أو من خارجها، وكتبنا عنها، ووثّقنا ذلك في كتاب بعنوان "أدب السجون" صدر قبل سنوات.

ويجدر التنويه إلى أنَّ السجن يبقى سجناً يسلب الإنسان حقّه في الحرية، بغض النّظر إن كان سجناً احتلالياً، أو سجناً للسلطة أو في البلدان العربية؛ فالاعتقال السياسي بسبب الرأي ينبغي أن يكون مرفوضاً تماماً من أيّ جهة، صديقةً كانت أم معادية. وهنا أفتح قوساً لأضيف: لا علم لي بأيّ إصدار يتحدّث عن سجون السلطة الفلسطينية، بينما هناك الكثير من الإصدارات التي تتحدّث عن سجون الأنظمة العربية.

تاريخياً، كتب خليل بيدس كتاب "أدب السجون" الذي صدر بدايات القرن العشرين زمن الانتداب البريطاني. وكتب الشيخ سعيد الكرمي قصائد داخل السّجون العثمانيّة في أواخر العهد العثمانيّ، كما كتب ابراهيم طوقان قصيدته الشّهيرة عام 1930 تخليداً للشّهداء عطا الزير، محمد جمجوم وفؤاد حجازي، وكتب الشّاعر الشّعبيّ عوض النّابلسي بنعل حذائه على جدران زنزانته ليلة إعدامه في العام 1937 قصيدته الشّهيرة "ظنّيت النا ملوك تمشي وراها رجال".

وكتب أسعد عبد الرحمن في بداية سبعينات القرن العشرين (أوراق سجين) كما صدرت مجموعة قصص (ساعات ما قبل الفجر) للأديب محمد خليل عليان في بداية ثمانينات القرن الماضي، و"أيام مشينة خلف القضبان" لمحمد أحمد أبو لبن، و"ترانيم من خلف القضبان" لعبد الفتاح حمايل، و"رسائل لم تصل بعد" ومجموعة "سجينة" القصصية للرّاحل عزّت الغزّاوي، و"قبّل الأرض واستراح" لسامي الكيلاني، و"نداء من وراء القضبان" و"الزنزانة رقم 706" لجبريل الرجوب، وروايات "ستائر العتمة" و"مدفن الأحياء" و"أمهات في مدفن الأحياء" وحكاية (العمّ عز الدين) لوليد الهودلي، وكتبت عائشة عودة "أحلام بالحرّية" و"ثمناً للشّمس". و"تحت السّماء الثامنة" لنمر شعبان ومحمود الصّفدي، و"الشّمس في معتقل النّقب" عام 1991 لهشام عبد الرّازق، وفي السّنوات القليلة الماضية صدر كتابان لراسم عبيدات عن ذكرياته في الأسر. وفي العام 2005 صدر للنّائب حسام خضر كتاب "الاعتقال والمعتقلون بين الاعتراف والصمود"، وفي العام 2007 صدرت رواية "قيثارة الرّمل" لنافذ الرّفاعي، ورواية "المسكوبيّة" لأسامة العيسة، وفي العام 2010 صدرت رواية "عناق الأصابع" لعادل سالم، وفي العام 2011 صدر "ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي" لمروان البرغوثي و"الأبواب المنسيّة" للمتوكل طه، ورواية "سجن السّجن" لعصمت منصور، وفي العام 2012 صدرت رواية "الشمس تولد من الجبل" لموسى الشيخ ومحمد البيروتي. كما صدر قبل ذلك أكثر من كتاب لحسن عبدالله عن السجون أيضاً، ومجموعة روايات لفاضل يونس، وأعمال أخرى لفلسطينيين ذاقوا مرارة السجن. وفي العام 2011 صدرت رواية "هواجس سجينة" لكفاح طافش، وفي 2013 صدر كتاب "الصّمت البليغ" لخالد رشيد الزبدة، وكتاب نصب تذكاري لحافظ أبو عباية ومحمد البيروتي، وفي العام 2014 رواية "العسف" لجميل السلحوت، ورواية "عسل الملكات" لماجد أبو غوش، وفي العام 2015 "مرايا الأسر" قصص وحكايا من الزمن الحبيس لحسام كناعنة، ورواية "مسك الكفاية سيرة سيّدة الظلال الحرة" و "نرجس العزلة" إضافة إلى ديواني شعر هما: "طقوس المرة الاولى"، "أنفاس قصيدة ليلية"، ورواية "الكبسولة " للكاتب الأسير باسم الخندقجي، كما صدرت له عام 2019 عن دار الآداب في بيروت رواية "خسوف بدر الدين"، ورواية "زغرودة الفنجان" للأسير حسام شاهين، وفي العام 2015 صدرت رواية خريف الانتظار المحطات للكاتب بسام الكعبي، وكذلك كتاب "أربعون يوماً على الرصيف" لصالح أبو لبن. في العام 2016 صدرت رواية "الشّتات" لأشرف حمدونة، وديوان "ماذا يريد الموت منا؟" لتحرير اسماعيل البرغوثي، ورواية "الأسير 1578" للأسير هيثم جمال جابر، وروايات "وجع بلا قرار"، "خبر عاجل" و"بشائر" للأسير كميل أبو حنيش.

وفي العام 2015 صدرت رواية "خريف الانتظار للأسير حسن فطافطة، وفي العام 2016 أيضاً صدرت رواية "الحنين إلى المستقبل" لعادل سالم، ورواية "وجع بلا قرار" للكاتب الأسير كميل أبو حنيش، وفي العام 2018 صدرت مجموعة قصصية للأسير سائد سلامة بعنوان "عطر الإرادة" ورواية "حكاية سرّ الزيت" لوليد دقّة. وفي العام 2019 صدر كتاب "جمر الكلمات" لبسام الكعبي، ورواية "الكبسولة" لكميل أبو حشيش.

والجدير بالذكر، أن أدب السجون فرض نفسه كظاهرة أدبيّة في الأدب الفلسطينيّ الحديث، أفرزتها خصوصيّة الوضع الفلسطينيّ، مع التذكير أنّها بدأت قبل احتلال حزيران 1967، فالشّعراء الفلسطينيّون الكبار محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم تعرضوا للاعتقال قبل ذلك، وكتبوا بعض أشعارهم داخل السجون أيضاً، والشاعر معين بسيسو كتب "دفاتر فلسطينية" عن تجربته الاعتقالية في سجن الواحات في مصر أيضاً.

المساهمون