من الخنادق العسكرية إلى الصوب الزراعية

20 يناير 2019
الصورة
السيسي خلال تدشين مشروع الصوب الزراعية(تويتر)
+ الخط -

افتتح الجنرال عبد الفتاح السيسي مشروعًا قوميًا لإنشاء 100 ألف فدان من الصوب الزراعية (الدفيئات)، في مدينة العاشر من رمضان، شمال شرقي القاهرة، نهاية الشهر الماضي، ووعد بتوفير الخضروات الأورجانيك لكل المصريين.

وفي الوقت الذي هلل فيه الإعلام المصري لوعود السيسي بتوفير الغذاء الأورجانيك، انشغل الإعلام المعارض بالسخرية من تصريحاته، ودشن نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي وسم #السيسي_أورجانيك، وعبّر بعضهم بقوله: "الشعب يقف في طوابير العسكر ولا يجد البطاطس.. هو احنا لاقين أكل ملوث لما تقلي أورجانيك".

واستنكر ناشطون انشغال الجيش بالاستثمارات الزراعية عن مهامّه الأصلية في الحفاظ على قدراته الدفاعية، وعلقوا على ذلك بقولهم: "تزامنا مع خروج الجيش المصري من تصنيف أقوى 10 جيوش في العالم، يفتتح السيسي أكبر محطة فرز وتعبئة للفلفل الملون والخيار والطماطم والشطة تابعة للقوات المسلحة"، وهم محقون أيضًا في ذلك، ولا سيما أن الجيش فشل طوال عام كامل في بسط الأمن في سيناء والقضاء على 1000 إرهابي فقط.

واعترف السيسي في برنامج 60 دقيقة المذاع على قناة سي بي إس الأميركية، بتلقيه مساعدات من الجيش الإسرائيلي، ولولا تدهور القدرة القتالية للجيش المصري وانشغال قياداته ووحداته بالاستثمار في الاستزراع السمكي، والصوب الزراعية وألبان الأطفال وتوزيع البطاطس والخضروات والدواجن واللحوم في الشوارع، لأنجز مهمته دون التورط في تعاون عسكري مع إسرائيل ومضاعفة السخط الشعبي المتزايد عليه.
إلهاء الرأي العام
الجنرال السيسي الذي ترأس المخابرات العسكرية، يجيد استخدام الوعود البرّاقة وبثّ الأمل الزائف لدى الجماهير، ويتعمد إطلاق تصريحاته الشاذّة لإلهاء الرأي العام بالسخرية وإبعاده عن التفكير في سياساته الفاسدة، وتمكين الجيش من مشروع الصوب الزراعية وحرمان الشباب الخريجين وصغار المزارعين من تملك حصة في المشروع بأسعار الكلفة، تعينهم على تأمين فرص عمل كريمة ودخل ثابت وتكوين أسرة مستقرة وإنشاء مجتمعات مدنية في الصحراء خارج وادي النيل الضيق، ومن ثم تحقيق العدالة الاجتماعية التي نصّت عليها المادّة 29 من الدستور بأن: "تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الأراضي المستصلحة لصغار الفلاحين وشباب الخريجين وحماية الفلاح والعامل الزراعي من الاستغلال".


ورغم إقامة المشروع على أراضي الدولة، وتحمل الخزانة العامة تكاليف الإنشاءات والأعمال بالكامل، وإشادة السيسي بدور وزارات بعينها في إنشاء المشروع، بقوله: "لا بد من الاستمرار فى استكمال مشروع الـ100 ألف فدان صوب زراعية، فهذا المجال مكنش أبدا يطلع إلا من خلال منظومة العمل اللي اتحققت.. وزارة الكهرباء وفرت الطاقة.. ووزارة الريّ وفرت المياه، ومكنش أبدًا ممكن اكتمال مشروع بالحجم ده إلا إذا كان هناك تعاون أيضا مع وزارة الزراعة ومركز البحوث اللي قدموا خبراتهم ومشورتهم".


بالرغم من كل ذلك، وضع الجنرال السيسي المشروع برمته في قبضة الجيش وضمه إلى الإمبراطورية الاقتصادية للقوات المسلحة، تحت ملكية شركة جديدة أطلق عليها السيسي اسم "الشركة الوطنية للزراعات المحمية".
مشروع مدني
بدأ الحديث عن مشروع الصوب الزراعية في أكتوبر/ تشرين الأول 2014، بإعلان وزير الزراعة في حينه عادل البلتاجي، من داخل مشروع قرية الأمل شرق قناة السويس، تأسيس شركة مدنية لا علاقة لها بالقوات المسلحة، تكون نواة لاستصلاح مليون فدان وإنشاء مشروع للصوب الزراعية من خلال الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، وقطاع استصلاح الأراضي وقطاع الزراعة الآلية، وجهاز تحسين الأراضي التابعة لوزارة الزراعة.

وبحسب تصريح وزير الزراعة، فإن الحكومة هي التي ستؤسس الشركة وتوزع الأراضي على شباب الخريجين والفئات الاجتماعية وأبناء الشهداء والمستثمرين، بحيث يحصل الشابّ على أسهم تعادل قطعة الأرض الزراعية، بالإضافة إلى فرصة للعمل في الشركة.
وتقوم الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية باستصلاح الأراضي الصحراوية، ورسم سياسة التوطين في الأراضي المستصلحة، بهدف تحقيق توزيع الكثافة السكانية المتمركزة في المدن.
وفي يونيو/ حزيران 2016، أعلن وزير الزراعة اللاحق للبلتاجي، عصام فايد، انتهاء وزارة الزراعة من إعداد دراسات المشروع القومي للصوب الزراعية، وإنشاء مجتمعات زراعية تنموية متكاملة وإتاحة فرص عمل جديدة للشباب، والتقى المستشار الزراعي لجمهورية هولندا، يوست جيجير، لبحث التعاون في إنشاء 100 ألف صوبة زراعية.

وفي 12 أغسطس 2016، أعلن وزير الزراعة أن السيسي كلفه بالسفر إلى أوروبا مع وفد رسمي، للتعرف إلى تجربة إنشاء الصوب الزراعية، وزار الوفد دول المجر وهولندا وإسبانيا في الفترة من 6 وحتى 15 أغسطس.
عسكرة الصوب الزراعية
وبدلًا من إسناد تنفيذ المشروع للجهة المختصة وهي وزارة الزراعة، أسند السيسي المشروع للجيش الذي أسس مباشرة في ديسمبر/ كانون الأول 2016، "الشركة الوطنية للزراعات المحمية".
وقال إنها تهدف إلى "المساهمة في سد الفجوة الغذائية المحلية بإنتاج وتوفير أصناف الخضر بجودة وأسعار مناسبة، وإتاحة فرص عمل للشباب الخريجين والعمالة الزراعية، مع التدريب ورفع الكفاءة لإيجاد كوادر عالية الكفاءة، للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة في مجال الزراعات المحمية"، وفق ما قدم الموقع الإلكتروني لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الذراع الاقتصادية للجيش المصري، وأسند السيسي لهذه الشركة مشروع الـ100 ألف صوبة زراعية.


وتذرع الجيش بوجود فجوة في إنتاج الخضر، جعلته يتدخل لحل الأزمة بناءً على توجيهات السيسي. وهي السياسة التي سلكها في مشروع الاستزراع السمكي، ليستولي الجيش على المزارع السمكية الواسعة في شرق مدينة بورسعيد، وشرق قناة السويس وبركة غليون بمحافظة كفر الشيخ بحجة سد الفجوة السمكية.

وافتعل الجيش أزمة في ألبان الأطفال، حتى يتسنى له التدخل في الإنتاج. لكن في مشروع الصوب الزراعية لا توجد أزمة خضروات في مصر، بل تكتفي ذاتيًا منذ عقود بفضل تنوع مناخي من أسوان في الجنوب إلى الإسكندرية في الشمال، يسمح بإنتاج الخضروات طوال العام في ثلاث "عروات"، صيفية ونيلية وشتوية، وتفيض كميات من الإنتاج عن الاستهلاك المحلي يتم تصديرها إلى روسيا وأوروبا وأميركا.


وكشف تقرير رسمي لوزارة الزراعة، أن إجمالي صادرات مصر الزراعية خلال 2018 بلغت 4.8 ملايين طن، نصفها تقريبًا من أصناف البطاطس والبصل والفاصولياء والفراولة والفلفل والباذنجان والثوم، التي يسوق لها تحت شعار "مروي بماء النيل"، وهي الأصناف التي ينوي الجيش زراعتها في الصوب الزراعية.
ويبدو أن اكتساب المنتجات الزراعية المصرية مكانة عالمية وشهرة واسعة بسبب الجودة والطعم المتميز، أغرى قادة الجيش المتعطشين لـ"البزنس"، للاستثمار في هذا المجال.
دولة الجيش
يقوم الجيش بتأجير الأراضي الزراعية المخصصة لمشروع استصلاح 1.5 مليون فدان لصالحه وبشكل مباشر بعيدًا عن الإجراءات الحكومية المعتمدة، وبدون سداد الثمن في خزانة الدولة، ما يعني أن الجيش يتصرف كأنه دولة وله سيادة مستقلة عن الدولة المصرية.

وكشف تحقيق لوكالة رويترز، نُشر في يونيو/ حزيران الماضي بعنوان "من غرف العمليات الحربية إلى مجالس الإدارة... شركات الجيش المصري تزدهر في عهد السيسي"، عن ازدهار استثمارات شركات التصنيع العسكري المصرية، وتحوّلها من الإنتاج الحربي إلى الصناعات المدنية. وضرب التحقيق المثال بشركة المعادي للصناعات الهندسية، التي تملكها وزارة الإنتاج الحربي وتأسست عام 1954 من أجل تصنيع البنادق الآلية.


وذكر التحقيق أن الشركة اتجهت في عهد السيسي لإنتاج مكونات الصوب الزراعية، لصالح مشروع إنشاء 100 ألف فدان من الصوب الزراعية الذي سيطر الجيش المصري عليه!

التداعيات
استعان الجيش بجامعة "واجنانجن" الهولندية المتخصصة في البحوث الزراعية والزراعات المحمية، في دراسة مشروع الـ100 ألف صوبة زراعية.
وكتب خبراء الجامعة تقريرًا عن المشروع، نُشر على شبكة الإنترنت، ومما جاء فيه أن "أصحاب الحيازات الصغيرة يشكلون غالبية المزارعين في مصر، ويواجهون بالفعل عوائق شديدة في الوصول إلى الأسواق المتميزة وأسواق التصدير، ما سيتطلب قواعد تنظيمية جديدة للحفاظ على ارتباطهم بالأسواق. ويتوقف ذلك على حرية الحصول على القروض الزراعية وتسهيلات السداد، وتوافر التقاوي والأسمدة ومياه الري والكهرباء، والأهم هو إمكانية حيازة الصوب الزراعية، وفي حال الفشل، فسوف يواجه المزارعون من أصحاب الحيازات الصغيرة مستقبلاً صعباً".

استحواذ الجيش على مشروع الصوب الزراعية سيقضي على فرص الشركات المتخصصة في تصدير الخضروات، ومن ثم سوف تطرح إنتاجها المتميز في السوق المحلي، ما سيقضي تمامًا على فرص صغار المزارعين في بيع منتجاتهم في السوق المحلي الذي سوف يزدحم أيضًا بالكميات الإضافية التي سوف ينتجها الجيش. وليس أمام المزارعين البسطاء إلا زراعة القمح والذرة والقطن، التي لا تغطي تكاليف زراعتها وكانت سببًا بإفقارهم في ظل حرمان الدولة لهم من كل صور الدعم.

المساهمون