من الآلاف كنتُ واحداً

05 اغسطس 2020
الصورة
(جزء من لوحة لـ شوقي شمعون/ لبنان)

ثمّة قصصٌ اعتاد مؤلّفوها أن تبقى طيّ الكتمان، وقصّتي واحدة منها. إنها قصّة بسيطة، إلّا أنها بقيت دوماً غامضة، وعبثاً يمكن تأويلها، لأنها بدأت وانتهت هناك، لحظة تخطّينا جدار الخوف، وبدأنا نَلمُّ بأبجدية دغدغت أحلامنا عنوة في يوم ما. وما يميّزها من بين آلاف القصص أنّ بوسعها أنْ تنهض وتقف على قدميها، من دون أن تتعثّر. ويمكنها أن تعيش أيضاً لفترة طويلة، لأنها على دراية بذاتها، رغم أنها لا تعرف بعد كيف حدثت تلك اللحظة، وأي حجّة يمكن أن تبرّر انهيار حبكتها، دون أن تكون لها بداية أو نهاية في الذاكرة. 

كيف وُلِدْتُ لأموت هكذا في يوم وتاريخ لا أعرفه. تساءلت في البداية، وكأنني أعيش تلك اللحظة مرّات ومرّات. ما يغيظني أننا بقينا على قيد الحياة، فأين نخبّئ وجوهنا الآن؟ لم يتركوا لنا حتى فسحة للخجل! بكينا في تلك الليالي الموحشة لنهدّئ من روعنا، صرخنا لنُبعد الألم عن أجسادنا الموسومة بألف جرح وجرح، توسّلنا لكي نقضي حاجاتنا، قبّلنا الأحذية الثقيلة لكي تدوس برأفة على رؤوسنا، واعتذرنا من كوننا بشراً.

هناك، في منفى الذاكرة، ظللت أهادن ألمي لأيام، إلى أن تحوّل الضوء إلى حزمة تَصْلي الجلد، والظلام ملجأ ليخفي صوتي في أبعد زاوية ممكنة، فهنا ننشد الراحة، مع أنهم يعتبرونها مزية لا يُكَافَأ عليها إلّا من يستجيب للعذاب، ويقدّم دمه قرباناً لأمل بعيد المنال. الشمس أيضاً طالت وجهي في اليوم الذي دُفنتُ فيه، برقمي المكتوب على صدري، نصفه أكلته السياط. رقم ما زلت أحفظه مثل رقمي العسكري: 751193، سيّدي. "كرّر ولَكْ حيوان!". أكرّر الرقم ثانية وثانية، حتى في عالم النسيان.

من بين آلاف القصص، بوسعها أنْ تنهض وتقف على قدميها

يَحقّ لي القول بعد أن وصلت إلى ممالك النسيان، إن الرحلة لم تكن شاقة. مجرّد نزهة مع الأصدقاء، وهم كثر، في الفلاة، بالقرب من جبال قاحلة، ربما على سفوح القلمون، أو الأراضي الجرداء بالقرب من صيدنايا، مأوانا الأخير قبل أن ينقلونا إلى هنا بشاحنات الزيل الروسية. بقينا هكذا لأيام، نتفيّأ ظلالاً نحتناها بأظافرنا على الصخور، ثم طلبوا منّا أن نحفر. وبعد أن حفرنا، طلبوا منّا أن نستلقي، ولم يبق أحد ليهيل علينا التراب. "والآن، تدبّروا أموركم!"، قالوا باستهزاء ورحلوا بسياراتهم الثقيلة، ونحن بقينا في العراء.

تحلّينا بالصبر ريثما يحيلون أمورنا إلى دوائر النفوس، لكي نغفو أخيراً بسلام، ويضع أهلنا حجرة على جرحهم ويكفوّا عن الانتظار على الأبواب. كلُّ طارق يزرع الهلع في القلوب، ليأتي ويقول: "والله نحن كمان لسّه ما أخدنا خبر!". بينما أحد الخبثاء، يمطّ رقبته من فتحة الباب، ويتقيأ لؤمه: "أمل إبليس بالجنة!". انتظرنا هكذا، سنين تحت الشمس. اهترأت ثيابنا، وتراقصت حبّات المطر على عظامنا، وكادت السيول المندفعة من أعالي الجبال تجرفنا معها إلى الوديان التي تعجّ بالأفاعي.

ذات يوم، تمرّد شاب في مقتبل العمر، وخرج من الحفرة. لم يُكمل خطوته الثالثة، عندما أرداه القنّاص قتيلاً مرّةً أخرى. كانت محاولته العاشرة على ما أعتقد، ولم يهدأ. هدّدوه بحرق عظامه إن لم يعد إلى الحفرة، ونفّذوا ما قالوه بحذافيره، إلا أنه لم يهدأ. حرقوا عندها رماده داخل إطار جرّار كبير، بعد أن صبّوا فوقه مئات الليترات من البنزين وزيوت السيارات. وصلت النيران إلى عنان السماء، ولم يهدأ أيضاً. "اعْتَقِلوا الرمل والحصى، بل اجمعوا الرماد وانثروه سماداً لأراضي الحقول"، جاءت الأوامر من الأعلى.

يهمس أحد صف الضبّاط بحرص شديد: "ربما لأنّ أحداً من ذويه لم يستلم بعدُ شهادة وفاته من إدارة السجلّ المدني، لذا تراه يتمرّد على الموت". قُرِعَت الطبول ونادوا بالنفير، ولم يتقدّم أحد. كان آخرَ من تبقّى من عائلته، قد لحقته عنقوديةٌ بينما كان يحاول الاختباء في قعر بئر جاف. لم يبق أمامهم سوى أن يستجوبونا ثانية، فالسرّ لا بد أن يكون في حوزة أحد منّا. لم يكن التعذيب قاسياً هذه المرّة، لأن العظام صمدت أكثر ممّا كنا نتوقّع، ولم تنفع معها حتى قضبان الحديد وكابلات النحاس المضفورة والصدمات الكهربائية.

تركونا مرّةً أُخرى في العراء عقاباً لسلوك زميلنا المتعنّت، الذي لم يكتف بأنه رفض الموت فحسب، بل تجرّأ وهرب أيضاً. نحن الآن أكوام من العظام المتناثرة هنا وهناك. لا أُخفي عليكم بأننا نشعر باليأس أحياناً، لأننا لا ندري ماذا فعل قيصر بصورنا. إلّا أننا، بين فترة وأخرى، في الليالي التي تشتد فيها العواصف، وتأوي الهوام إلى جحورها، ننهض ونلقي نظرة على الحفرة المجاورة، لعلّه رجع، مع أننا في داخلنا نعرف أنه، أملنا الوحيد، ربما لن يعود أبداً!


* كاتب سوري مقيم في ميلانو