من استراتيجية الانتصار إلى بلورة مفاهيم الأمن الإسرائيلي (2)

08 أكتوبر 2019
الصورة
احتجاج ليهود متشددين بالقدس على الخدمة العسكرية الإلزامية(فايز أبورملة/الأناضول)
تسعى المذكرة التي وضعها أخيراً كل من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، غادي أيزنكوط، ورئيس قسم أبحاث السايبر وقسم التخطيط والدراسات العسكرية في مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، غابي سيقيوني، تحت عنوان خطوط عريضة لمفاهيم الأمن الإسرائيلي، والتي نشر "العربي الجديد" الحلقة الأولى منها أمس الإثنين، إلى إعادة تعريف مفاهيم أساسية في مركّبات الأمن الإسرائيلي، مثل مفاهيم الردع، التفوق العسكري الاستخباراتي، والدفاع في المجالات كافة، ولا سيما في الحرب البرية. وهي تحدد معنى الانتصار وشروطه وسبل تحقيقه ودور المجتمع المدني في تحصين الأمن القومي.

وترى المذكرة في هذا السياق أنّ مصطلح ردع أعداء الدولة ينبغي أن يتم عبر "استعراض القوة العسكرية وإبراز الجاهزية والاستعداد لتفعيل هذه القوة لإحباط نوايا العدو بالمس بسيادة الدولة، أو روتين حياتها اليومية وأمن سكانها". أما في سياق تحديد التفوق العسكري، فيجب أن يشمل تفوقاً استخباراتياً قادراً على توفير المعلومات مسبقاً، كي يتسنى الاستنفار والاستعداد بشكل يمكّن إسرائيل من إحباط نوايا الأعداء (وهو بند يشكّل عملياً ركيزة في الاستراتيجية الإسرائيلية منذ حرب أكتوبر عام 1973، والفشل الاستخباراتي الذي رافقها قبل 45 عاماً). وفي مجال الدفاع، ينبغي ضمان دفاع دائم على المستويات والصعد كافة، لا سيما براً، إذ لا تستطيع إسرائيل تحمل ضربات برية على عمقها المدني لفترة طويلة.

وبالنسبة للنصر وتعريفه، فهو بحسب المذكرة ذلك الذي يحقق الأهداف المقررة من الحرب، بحيث يدرك الطرف الآخر أنّ استمرار المواجهة العسكرية لن يقوده إلى تحقيق أهدافه، وأنه جازف بتلقي مزيد من الضربات والأضرار إلى درجة تهديد بقائه السياسي وحتى الشخصي.

وبطبيعة الحال، تفرد المذكرة مكاناً بارزاً لدور العلاقات المميزة مع الولايات المتحدة في تعزيز الأمن القومي الإسرائيلي إلى جانب أدوات سياسية، إذ تشكّل أميركا في هذا الباب السند الأساسي أمنياً وسياسياً لدولة الاحتلال.

وتحدد المذكرة دوراً مهماً لناحية ضمان الأمن الاقتصادي كجزء من الأمن القومي، فبالاقتصاد يمكن تطوير المجتمع والتربية والتعليم وتعميق التلاحم الاجتماعي والتضامن بين مختلف الشرائح كأحد محركات النمو الأساسية، إلى جانب التطور التكنولوجي في إسرائيل.

وفي ظلّ ما يبدو من شرخ داخلي، ترى المذكرة أنّ المجتمع الإسرائيلي ككل يشكّل عنصراً ضرورياً في الأمن القومي، فالمناعة الاجتماعية هي ما توفر وتضمن الرافعة الاقتصادية، والقيمية المعنوية التي تبرر تفعيل القوة العسكرية. وهذه المناعة مهمة أيضاً في بناء الشرعية الداخلية لجهود تكريس الأمن القومي. ومن هنا تأتي أيضاً الحاجة والضرورة لتعميق العلاقات مع الشتات اليهودي خارج إسرائيل، باعتبار أنّ الهدف من وجود الأخيرة هو أن تكون البيت القومي المفتوح أمام كل يهودي، وأن تستعين في الوقت ذاته بيهود العالم خارجها، في حربها الدائمة من أجل الوجود. هذه العلاقة المتبادلة بين إسرائيل واليهود خارجها هي ركيزة أساسية في الأمن القومي للدولة.


وعلى الرغم من إبرام إسرائيل لاتفاقيات سلام مع دول عربية (الأردن ومصر، واتفاق أوسلو)، فإنّه ينبغي لعقيدة الأمن الإسرائيلية عدم الركون فقط إلى مكوّن الردع، بل الافتراض أيضاً أنّ هذه القوة وهذه الاتفاقيات من شأنها أن تنهار، لذلك يجب تبنّي المقولة القديمة "من يريد السلام عليه الاستعداد للحرب"، والحفاظ على هوامش أمن واسعة، وضمان جهوزية متواصلة ومستمرة لمواجهة أي تصعيد قد يتطور إلى حالة حرب خلال فترة زمنية قصيرة جداً. ويعني هذا ضمان جاهزية تمكّن فعلاً من تطبيق المسؤولية المتمثلة بحماية الدولة وأمنها وضمان بقائها، وصولاً إلى تحقيق الانتصار في كل حرب.

وتحدد المذكرة المصالح الأمنية الضرورية لدولة الاحتلال على النحو التالي: المصلحة العليا؛ وهي بطبيعة الحال المحافظة على سيادة الدولة و"أملاكها الضرورية وأمن مواطنيها". وهذا يلزم تحقيق وضمان سلسلة من المصالح المشتقة والتي تضمن تحقيق الهدف المنشود وهي:

- تكريس حدود آمنة يمكن الدفاع عنها، تشمل عوائق ومساحات تمكّن من إدارة عملية دفاع فعالة في مواجهة جيوش دول ومنظمات معادية.

- الدفاع الفعال، ويعني منع العدو من تحقيق مكاسب برية على الأرض (احتلال أراض) ونزع قدرته على المسّ بالسكان، ومنع تبلور أخطار غير تقليدية أبرزها خطر تبلور قدرة نووية عسكرية لدى أحد الأطراف المعادية لإسرائيل.

- بلورة قدرة ردع فعلية تمنع تحقيق هذه الأخطار، ومنع نشوء أي خطر، قادر على تهديد المصالح الضرورية لإسرائيل.

- الحفاظ على اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، والسعي للدفع نحو تعاون وتحالفات مع أطراف معتدلة في المنطقة، لزيادة قوة التأثير الإسرائيلية فيها.

- تخطيط وتنظيم مسألة توزيع السكان جغرافياً، وضمان أدوات لحمايتهم من كل خطر محتمل تقليدي وغير تقليدي.


- دعم الاستيطان في مناطق يتم تحديدها من أجل تعزيز أطراف الدولة، والثغور الضرورية لحماية الحدود والمناطق المرشحة للانفصال (في إشارة إلى تكثيف تهويد الجليل من جهة، وتكثيف الاستيطان اليهودي في غور الأردن من جهة ثانية)، حتى ضمان أغلبية يهودية ثابتة.

- تعزيز مكانة وقدرات الجيش بصفته جيش الشعب حتى يتمكّن من تحقيق الأهداف والمهام المطلوبة منه وعلى رأسها ضمان وجود الدولة، وهو ما يلزم بأن يكون قادراً على مواجهة كل التهديدات، وعلى العمل والتحرك في كل لحظة، وفي مواجهة كل تطور محتمل، في الميادين كافة، براً وجواً وحتى في الفضاء.

- توفير قدرة للجيش على الحسم والانتصار في كل مواجهة عسكرية بما يضمن تكريس قوة الردع.

- على الجيش تثبيت تفوّق وسيطرة تامة على المجالين الجوي والبحري لضمان بقائهما مفتوحين أمام إسرائيل في كل وقت وكل وضع. وبموازاة ذلك حماية كافة البنى التحتية المهمة للاتصالات، التي يمكن من خلالها تفعيل كل المنظومات المطلوبة لأغراض الأمن القومي.

- منح الجيش شرعية داخلية وخارجية مطلقة، تضمن له حرية العمل المطلوبة لتفعيل قوته العسكرية لإحباط وصدّ كل خطر قائم أو محتمل، ولتعزيز القدرة على الصمود الداخلي (للجبهة الداخلية والمجتمع) والمتواصل خلال المواجهات العسكرية وضدّ الإرهاب.

- تخفيف الاعتماد على العوامل الخارجية في بناء القوة العسكرية وصيانتها وتطويرها.

- وأخيراً، السعي لإقامة تحالفات وشراكات إقليمية ودولية، وعلى رأسها مع الولايات المتحدة، لكن أيضاً مع أطراف أخرى، تقوم على أسس التعاون الاستخباراتي المهم والقدرات الدفاعية متعددة الأبعاد، بما يضمن تحقيق النصر وتحسين الواقع الأمني على أثر ذلك.