من استراتيجية الانتصار إلى بلورة مفاهيم الأمن الإسرائيلي (1)

07 أكتوبر 2019
الصورة
جنود إسرائيليون خلال مناورة في أغسطس الماضي(جاك غويز/فرانس برس)
في إبريل/ نيسان عام 2018، نشر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك، الجنرال غادي أيزنكوط، تحديثاً لاستراتيجية جيش الاحتلال، وضع فيها رؤيته للعقيدة القتالية والعسكرية، والاستراتيجية التي يتوجّب على الجيش الإسرائيلي اتباعها لضمان انتصاره في الحروب، وبالتالي القيام بالمهمة الأساسية الملقاة على عاتقه، وهي "حماية حدود إسرائيل، ومنع سقوطها، وإبادتها من قبل أي من الأعداء"، مع تركيز أيزنكوط على التمسّك بمفاهيم الأمن العامة، أو الأسس العريضة التي وضعها أول رئيس لحكومة إسرائيل، دافيد بن غوريون، عام 1953 والتي عرفت بوثيقة الـ18 نقطة. وقامت هذه الوثيقة بالأساس على ثلاثة محاور رئيسية هي: الردع؛ أي بناء قوة عسكرية قادرة على ردع الأطراف العربية من مجرد التفكير بشنّ حرب ضدّ إسرائيل، والإنذار؛ أي بناء قوة استخبارات قادرة على تحذير المؤسستين العسكرية والسياسية من احتمالات شنّ حرب ضد إسرائيل، وهو محور وركن كان فاعلاً حتى حرب يونيو/ حزيران عام 1967، لكنه مني بهزيمة نكراء في حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973، وأخيراً الحسم؛ ويعني حسم المعركة خلال أقصر وقت ممكن وإنهاء الحروب في أيام معدودة، على اعتبار أن إسرائيل وجبهتها الداخلية لن تتحملا حرباً طويلة الأمد. وقد ظلّت هذه المحاور أو الأركان الموجّه الرئيسي لدولة الاحتلال. وفي الأعوام الأخيرة، تمّ اعتماد ركن رابع اقترح إضافته وزير الاستخبارات الإسرائيلي الأسبق، دان مريدور، بعد عمل لجنة خاصة أوكلت له رئاستها منذ ولاية بنيامين نتنياهو الثالثة عام 2009. وقد قضت هذه اللجنة بإضافة ركن رابع هو ركن "الدفاع" لهذه المفاهيم الموجهة لسياسة الأمن الإسرائيلية، على اعتبار أن الأخطار الأمنية التقليدية، مثل خطر غزو عربي من جيش نظامي عربي، قد بات غير وارد على الإطلاق في ظلّ التغييرات الإقليمية والسياسية في السنوات الأخيرة، بدءاً من اتفاقيتي السلام مع كل من مصر والأردن، وانتهاءً بتطورات الربيع العربي ومآلات الثورة المضادة.

في إبريل 2018، وبعد بدء تطبيق خطته لتطوير الجيش الإسرائيلي، نشر أيزنكوط وثيقة محدّثة تحمل اسم استراتيجية لجيش الدفاع، قامت بالأساس على المبادئ التقليدية نفسها لعقيدة الأمن الإسرائيلي، لكنها شدّدت على تغيير في عقيدة القتال الإسرائيلي بوجوب تحديد معنى "النصر" المطلوب من كل عملية عسكرية أو حرب جديدة، ومنح قادة الجيش حرية العمل العسكري ميدانياً، وفقاً لما تمليه التطورات الميدانية، مع تعزيز القوة العسكرية للقوات البرية، وأيضاً لقوات السايبر.

والأسبوع الماضي، طوّر الجنرال أيزنكوط من نظريته العسكرية لجهة وضع مبادئ عامة لمفهوم الأمن الإسرائيلي، كخلاصة لعام من البحث والدراسة في معهد واشنطن للشرق الأوسط، بالتعاون مع العقيد غابي سيقيوني، المسؤول عن قسم التخطيط والدراسات العسكرية في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، وقسم حرب السايبر والحرب التكنولوجية في المعهد المذكور.

وتحدّد المذكرة التي تم نشرها أخيراً، وتمتد على 76 صفحة، الأخطار الرئيسية التي تهدد إسرائيل، مع تحديد جوانب غير عسكرية في هذه الأخطار وفي مقدمتها التهديد الداخلي الناجم عن الشروخ والانقسام في المجتمع الإسرائيلي، وما يحمله ذلك من تهديد للمناعة القومية لإسرائيل.

وتنطلق المذكرة من إقرار صحة المفاهيم الأمنية التي حددها بن غوريون في وثيقته عام 1953، مع تحديثها وإدخال تعديلات عليها، وفي الوقت ذاته تشير المذكرة إلى التغييرات في طبيعة الأخطار والتهديدات العسكرية والوجودية.

وفي هذا السياق، ترى المذكرة الجديدة أنّ التغييرات الأساسية في سياق التحديات والأخطار التي تهدد أمن إسرائيل تنبع أساساً من سعي إيران المتواصل لبسط هيمنتها إقليمياً من خلال تطوير وبناء قوة نووية، وعبر جهدها المثابر لبناء "هلال شيعي" أو هلال خاضع للتأثير الإيراني، من اليمن، مروراً بالعراق وسورية ولبنان وحتى قطاع غزة. وفيما تشكّل هذه الجبهة خطراً يسعى أقطابه إلى إبادة إسرائيل فعلياً ومادياً من الوجود، فإنّ المذكرة تشير أيضاً إلى الحرب على صعيد حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل، وهي ترى أنّ ذلك يتحتم ويلزم الدولة أيضاً بتعزيز وتوطيد العلاقة مع اليهود في العالم، ومواجهة نشاط حركة المقاطعة، التي تمثل خطراً على شرعية إسرائيل وصورتها أمام العالم، وبالتالي "ضرب ونزع شرعية وجودها كدولة للشعب اليهودي".

لكن إلى جانب هذه الأخطار الخارجية، تتحدث المذكرة بشكل واضح عن خطر وتداعيات النزاعات والشروخ الداخلية في المجتمع الإسرائيلي، والناجمة عن تغييرات داخلية. ويمكن بسهولة رصد بوادر تصدع مقلقة في وحدة وتكتل المجتمع الإسرائيلي، بموازاة ارتفاع عدد السكان والمناعة الاقتصادية والتطور التكنولوجي والعلمي في إسرائيل.

وبحسب المذكرة الجديدة، فإنّه لمواجهة الأخطار التي تشكلها إيران والفصائل والمنظمات التابعة لها، والواقعة تحت نفوذها، يتعيّن على إسرائيل اعتماد مبادئ المواجهة العسكرية الأساسية وهي: بناء استراتيجية دفاعية هدفها ضمان وجود الدولة، وإحباط الأخطار وصدها بما يمكّن من فترات هدوء واستقرار طويلة الأمد قدر الإمكان. كما ينبغي أن يكون الهدف الأعلى لدولة الاحتلال، منع اندلاع حروب وإبعاد التهديدات كمبدأ أساسي موجه في عقيدة الأمن القومي. كذلك، يجب اعتماد المبادرة وسياسة الهجومية (على غرار ما هو متبع ضدّ الأهداف الإيرانية في سورية)، وشنّ مستمر للمعركة بين الحروب كأمر ثابت، مع ضمان وبناء جاهزية لتحقيق نصر واضح في كل حرب، وتقصير مدتها، وتقليص إلى أقصى حدّ ممكن الأضرار الناجمة عن القتال اللازم لتحقيق هدف الحرب في أسرع وقت ممكن، فضلاً عن ضمان حدود يمكن الدفاع عنها.

ولعل أهم ما في هذا السياق هو تأكيد المذكرة عملياً على توفير "سبب أمني للإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على غور الأردن".

بموازاة ذلك، تقترح المذكرة مبادئ أمن اجتماعي تنطلق من أنّ "الجيش هو جيش الشعب"، وأن الجيش النظامي وقوات الاحتياط هما عامل موحّد وبوتقة صهر للمجتمع الإسرائيلي ككل، تقوم على أسطورة الشعب المقاتل. وفي هذه المسألة، ترى المذكرة أنّ الجيش هو عملياً كنسخة من الميليشيا لأنّ أساس قوته وجنوده ليسوا جنوداً مهنيين ومحترفين، بل مواطنين مجندين وقوات احتياط، وبالتالي يجب استنفاد كل طاقات التجنيد الممكنة داخل المجتمع لصالح الجيش، على أساس خدمة وطنية للجميع، بشرط أن يختار الجيش أولاً الملائمين لصفوفه ومن يحتاجهم، أمّا الباقون، ومن ضمنهم العرب والحريديم، فيتم تجنيدهم للخدمة المدنية.

وتكرر المذكرة الإشارة إلى مفاهيم الأمن التي وضعها بن غوريون، والتي تقوم أساساً على عقيدة "الستار الحديدي" التي وضعها مؤسس الصهيونية التصحيحية، زئيف جابوتينسكي، في ثلاثينيات القرن الماضي، إبان فترة الانتداب البريطاني على فلسطين. وتقوم عقيدة جابوتينسكي المذكورة على مبدأ أنّ احتمالات وفرص إقامة سلام ممكنة فقط عندما يصل العدو (أي الطرف العربي) إلى قناعة بأنّ جهوده ستبقى عديمة النتائج وتضرّ بالأساس به، وبالتالي فإنه يمكن تحقيق الفائدة بشكل أكبر من خلال الحوار.

وتستذكر الوثيقة في سياق العوامل الداخلية أنّ مفاهيم الأمن والقوة التي وضعها بن غوريون تؤكد أنّ أمن إسرائيل ليس مرهوناً فقط بقوة الجيش، بل أيضاً بقوة المجتمع وتماسكه وبالاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، ومكانة دولية وسياسة خارجية.

مع ذلك، تحدّد المذكرة أنه ينبغي دائماً الاستعداد لحالات الطوارئ العسكرية من خلال تركيز الجهود على عدد من النواحي من بينها الاستعداد للحرب من خلال بناء القوة العسكرية باستمرار، وتخطيط المعركة بين الحروب ومواصلة شنّها (وهي إشارة للحرب المتواصلة التي تشنها دولة الاحتلال في كل الجبهات بهدف إضعاف الطرف الآخر واستنزاف قوته العسكرية وضربها لإضعافه قدر الإمكان قبل المواجهة في ميدان الحرب)، وهو ما تقوم به إسرائيل بشكل دائم مثلاً في مواجهتها لـ"حزب الله" منذ العدوان على لبنان عام 2006، وفي سياق محاربة التموضع الإيراني في سورية، وضرب مشروع الذرة لطهران. وتعتبر المذكرة أن هذا الأمر شكل تحولاً في نمط السلوك الأمني والعسكري الإسرائيلي، بعدم الاكتفاء بالاستعداد للحرب عند اندلاعها واستباقها بنشاط دائم ضدّ العدو بالاعتماد على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة والنوعية.

وتصل المذكرة إلى خلاصة أساسية تقول إن على الجيش أن يكون على درجة عالية من الجهوزية لتفعيل واستخدام كامل قوته العسكرية والقتالية بشكل فوري في مواجهة كل تهديد لحماية سيادة الدولة وسلامة مواطنيها. هذه الخلاصة تكتسب أهمية من منظور الأمن الإسرائيلي، في ظلّ إصرار مفوض شكاوى الجنود السابق، العقيد يتسحاق بريك، في تقارير رسمية له، على أنّ الجيش الإسرائيلي ليس مهيّأ ويفتقر إلى الجهوزية المطلوبة في حال نشبت حرب جديدة.

أخيراً، فإنّ المذكرة تسعى إلى تحديد وإعادة تعريف مفاهيم أساسية في مركّبات الأمن الإسرائيلي، مثل مفاهيم الردع، التفوق العسكري الاستخباراتي، والدفاع في المجالات كافة ولا سيما في الحرب البرية وتحديد معنى الانتصار وشروطه وسبل تحقيقه ودور المجتمع المدني في تحصين الأمن القومي.