من اختطف الوطن؟

06 اغسطس 2020
الصورة

(1)

الأمر يشبه لعبة كرة القدم على نحو أو آخر. عدد من الأقدام تحاول "اختطاف" الكرة بأي شكل. يبدو الأمر أن ثمّة قانوناً يحكم العملية، لكن القدم الحاذقة هي التي تتمكّن من خطف الكرة دون التزام القانون، وبعيداً عن عيني الحكم، بل بالتزام ما يبدو فناً حيناً، وبالخشونة المتعمّدة أصلاً أحياناً كثيرة بلا عدد.

هل هي مصادفة أن تشبه كرة اللعب في استدارتها الكرة الأرضية؟ لا أدري، ربما لاعتبارات "اللعب" استدارت الكرة ليسهل خطفها، وكذا هي الكرة الأرضية، وأوطانها مهما تناهت في الصغر.

يحسب المشاهد أن هناك قانوناً يحكم اللعبة، لكن الحقيقة أن هناك ظاهراً وباطناً لهذا القانون، واضعوه أدرى بتفاصيله على الأغلب، ولكي يُحكموا السيطرة على مجمل المشهد، فصّلوا قوانين دولية ومحلية على مقاسهم: مجلس أمن، مثلاً، يمتلك خمسة من أعضائه حق وقف أي قرار، بغضّ النظر عن فائدته أو مضارّه للبشرية. المعيار هنا هو ما ينفع الخمسة "الكبار" أو يضرّهم. محلياً، هناك حزمة من القوانين "المرنة" في كل بلد تكفل حق النقض نفسه للسلطة، أي سلطة، والتهم جاهزة: تقويض الأمن الوطني، إطالة اللسان، تهديد السلم الأهلي، الانقلاب على نظام الحكم، الخيانة العظمى، وما شابه من عباراتٍ فضفاضةٍ تصل إلى حد "تخوين" المتهم، وصولاً إلى تجريمه، وإبعاده عن طريق السلطة بأي ثمن، حتى لو كان رأسه، وكم من رأس (كرة!) تدحرج من مكانه أو أُسكِت إلى الأبد.

الكرة الأرضية مختطفةٌ من تحالف تجّار الأدوية والسلاح والمخدّرات والطاقة

لا يختلف الأمر كثيراً بين دول العالم الأول والثاني والثالث. هناك عملية اختطاف ممنهجة ومرتبة جيداً لجزّ العشب "الضارّ"، حسب تصنيفهم ما إذا كان ضارّاً أو نافعاً، وخطف الوعي أولاً، وتغييب "الرأي العام"، تمهيداً لخطف الوطن. في الدول التي تصنّف "كبرى"، الأدوات والقوانين تختلف، لكن سيدها هنا التشريعات التي تحارب ما تسمى "اللاسامية". وتفسيراتها هنا تتسع حتى تصل إلى حدود مصادرة حرية الرأي، وقمع أي منتقد إجرام كيان صهيوني متوحش، فهو البقرة المقدّسة التي يحظر الاقتراب منها، حتى لو ملأت الحدائق العامة والساحات بروْثها. أما في الدول "الصغرى" أو المتخلفة، فعملية الخطف تأخذ أشكالاً أكثر بشاعةً وخشونةً ومباشرة، فالوطن كعكة مقسمة بين ذوي الحظوة والنفوذ، ولأولاد الحرّاثين الفتات إن وجد.

(2)

هذه صورة مجملة لعملية الخطف، وتزداد الصورة بشاعةً حينما تقترب عدسة الكاميرا من تفاصيل المشهد، وخصوصاً في بلاد العرب.

بدأت القصة منذ نحو مائة عام، حين تحالف العرب مع الأغراب لهدم بيتهم، على وعد أن يُمكَّنوا من تأسيس مملكة العرب مما يبقى من أوطانٍ، كانت ذات يوم تحكمها راية واحدة، و"سلطان" واحد. الخلاف هنا ليس متعلقاً بما إذا كان السلطان جائراً أو عادلاً، بل بأوهام وأحلام راودت حفنة من "قادة" الأمة باعتلاء كرسي الحكم، فقوّضوا "الخلافة" وحاربوا إخوة الدين، وانتصروا للغريب القادم من الغرب، وقدّموا له كل التسهيلات الممكنة لما "بدا" أنه تحريرٌ من "الحكم التركي"، حتى إذا تمّ الأمر للمنتصر، طوى صفحة "مملكة العرب"، وقسم الكعكة بين شركائه، تحت مسمياتٍ ابتدعها هو، وأضفى عليها صفة "القانون الدولي"، فاشتقّ مصطلح "الانتداب"، لبسط النفوذ على البلاد "المحرّرة!"، بزعم إن شعوبها لم تبلغ مرحلة الرشد لحكم نفسها، وتولى هو عملية تدريبها وتأهيلها لمرحلة "الاستقلال". وفي الأثناء، ارتكب أكثر الجرائم بشاعة، ليس بحق الوعي ومصادرته فقط، بل باتجاه عملية إبادة بشعة للبشر والشجر والحجر، ونهب ما فوق الأرض وما تحتها، حتى إذا اضطرّ مكرهاً للوصول إلى مرحلة "الاستقلال"، تولى هو عملية "تعيين" وكلاء له حكاماً على الأرض "المحرّرة"، وانتهت مرحلة "الاستعمار" الصريح المباشر من الأجنبي، لتبدأ مرحلة "الاستعمار الوطني"، وهي مرحلة ملتبسة أكثر لعنةً من الاستعمار الصريح، حتى بات القوم الذين كانوا يقولون: متى ينتهي الاستعمار؟ يتساءلون بمرارة: متى ينتهي الاستقلال؟ بل تمنّى كثيرون أن يتقدّموا بعريضة واسترحام للجهات "المانحة" للاستقلال، لعودة الاستعمار الصريح، أو "الانتداب"، لأن ما ذاقوه من أبطال الاستقلال ورموزه يفوق ببشاعته ما ذاقوه من الاستعمار.

الوطن كعكة مقسمة بين ذوي الحظوة والنفوذ، ولأولاد الحرّاثين الفتات إن وجد

هذا هو أصل المسألة، وأي تحليل خارج هذا السياق تغميس خارج الصحن، وخطف وتغييب للوعي الجمعي. فالكرة الأرضية بمجملها مختطفةٌ من تحالف تجّار الأدوية والسلاح والمخدّرات والطاقة، وما يقرّره كهنة هذا التحالف وحاخاماته، وحتى شيوخه، هو ما يُنفَّذ على الأرض. أما الأوطان "الصغيرة"، فهي ما بين دول مصنفة "مارقة"، تقع عليها عقوبات السادة الكبار، وقوانين الحرمان والحصار، أو دويلات تدور في المدار المرسوم لها بعناية، وليس مهماً أن يجوع أبناؤها أو يُسحلون أو تشبع الهراوات من ظهورهم. المهم أن تبقى تحت "السيطرة" وتتحرّك داخل الخط المرسوم لها، وأي "زعيم" يفكّر في التمرّد يمكن أن يشنق يوم عيد النحر، أو تدبّر له ميتة بالسم، أو يرسل إليه أحد من أقاربه لإطلاق الرصاص عليه، تنفيذاً لحكم الإعدام الذي أصدرته العصابة التي تختطف الكرة.

هذا هو التشخيص، فما الحل؟