من أجل الترجمة

21 يناير 2020
الصورة
مهدي قطبي/ المغرب

للفيلسوف البريطاني، جيلبرت رايلي (1900- 1976)، رأي حول "أصالة الكتابة" في كتابه "في مفهوم الروح"، يقول فيه إنّ قدرات التفكير الذهني والإبداع الوجداني النقيّة، وبشكلها الأقصى، لا يمكن أن تظهر سوى باللغة الأم أو بـ"اللغة غير المفكّر بها".

إذْ أنّ الكتابة بلغة أخرى، ونحكي طبعًا عن الكتابة المفهومة، تولّد ظاهرة "التفكير فوق التفكير"، لأنَّها تتطلّب حتمًا مرحلتين: أولاً، التفكير في مبنى الجملة قواعديًا ونحويًا ولغويًا (الشكل). وثانيًا، التفكير في معنى الكلام ذاته وحركة الأفكار داخله (المضمون). في حين في اللغة الأم، تقتصر آلية التفكير على المعنى المضمون فقط. ويرى رايلي، أن ظاهرة "التفكير فوق التفكير" تنقِّص وتشوِّش بشكلٍ لا يمكن إنكاره على معنى الكلام، بل وأصالته، عند محاولة الكتابة بلغة غير اللغة الأم.

طبعًا الرجل ليس راديكاليّا، ولا يُحصِر قدرة التفكير في لغة واحدة للأبد، هي اللغة الأم، بل يضع شرطين، تصبح فيهما اللغة الجديدة، أيضًا في مرتبة اللغة الأم، وتختفي عندها آلية "التفكير فوق التفكير"، وهما: أن تكون اللغة حاضرة في أحلامك، وأن تناقشَ نفسك داخليًا بها في حالة الصمت والعزلة.

مناسبة كتابة هذا الكلام، هو الغرابة من لهاث أي شخصٍ يكتب بالعربيّة في الغرب، خصوصاً في أوروبا، بأن ينشر كتابًا بالألمانية مثلاً، أو بأيّ لغة أوروبيّة أخرى، قبل حتّى أن ينشره بالعربيَّة. والبائس هو أنّ هذه الحالات تترافق غالبًا، مع انعدام القدرة على الكتابة بالألمانيّة، أو حتّى التحدّث بها أحيانًا.

يرى رايلي أنّ عمليّة الكتابة باللغة الأم ليس من أجل قرّائها مباشرة، بل تحت هاجس ونيّة نقلها إلى لغة أخرى، لا تنتجُ نصًا واحدًا فقط منقوص الأصالة، بل نصّين: الأصلي (وليس الأصيل) الذي لا ينشر، والمكتوب من أجل المُترجَم. والمترجَم الذي يظنّ أنّه ينقل نصّاً أصيلاً.

هنا تصبح الكتابة في أكثر درجاتها بؤسًا: من أجل الترجمة.

تعليق: