منى الجميعي... طبيبة تونسية هزمت كورونا

28 مايو 2020
الصورة
"لا بدّ من المحافظة على الروح الإيجابية" (العربي الجديد)
"صرت أفهم شعور المصابين بفيروس كورونا الجديد أكثر. أن تتعرّف على الفيروس من خلال الدراسة وتتابع مرضى ليسا كما عيش تجربة المرض. لذا صرت أتعاطف أكثر مع المصابين، أواسيهم وأساند القلقين والخائفين من بينهم، فأنا عشت الخوف نفسه. وثمّة أشخاص تكون ردود فعلهم عنيفة، فأحاول بعث بعض الرسائل الإيجابية إليهم وطمأنتهم بأنّ الأزمة ستمرّ وسيتغلبون على كورونا، مع التشديد على أنّ الابتعاد عن المريض وترك مسافة بيننا وبينه لا يعني الشعور بالكراهية تجاهه". بهذه الكلمات استهلّت الطبيبة التونسية منى الجميعي، المتعافية من مرض كوفيد-19 الذي يتسبّب به فيروس كورونا الجديد، حديثها مع "العربي الجديد".

والجميعي في العقد الثالث من عمرها، تعمل في مجال الطب الاستعجالي (طبّ الطوارئ) وتحديداً من ضمن الفريق 190 الذي يُعد أشهر الفرق التي تتعامل مع المصابين بكورونا في تونس، منذ بدء الأزمة. وهذا الفريق يضمّ أطباء وعاملين صحيين مختصين، مهمّتهم تلقّي اتصالات المشتبه في إصابتهم والمصابين وأخذ عيّنات منهم لتحليلها وكذلك نقل الحالات التي تستوجب الاستشفاء. أمّا عمل الفريق فعلى مدار الساعة، من خلال مناوبات الأفراد.



وتقول الجميعي إنّ العدوى انتقلت إليها من أحد المصابين الذين أسعفتهم وقد ساءت حالته، مضيفة أنّه "على الرغم من الاحتياطات المتخذة من لباس وقناع واقيَين فإنّني اقتربت كثيراً من المريض بحكم وضعه الصحي، وهو ما أدّى إلى إصابتي". وتشير إلى أنّ "الضغط في بداية ظهور الفيروس كان كبيراً، وكنّا نتلقّى يومياً مكالمات عديدة وننتقل إلى منازل الأشخاص المعنيين للحصول على العيّنات المطلوبة".

وفي يوم، عادت الطبيبة الشابة إلى بيتها في منطقة منوبة في العاصمة تونس بعد 24 ساعة من العمل المتواصل، مع ألم في الصدر وسعال. كان هذان العارضان كافيَين للجميعي التي خبرت التعامل مع الفيروس حتى تقدّر الوضع وتعزل نفسها وتطلب من بقيّة أفراد أسرتها، خصوصاً شقيقها وشقيقتها، الالتزام بالعزل الذاتي فيبقى كلّ واحد منهم في غرفته بمفرده إلى حين أخذ العيّنات اللازمة. وتلفت إلى أنّ أكبر مخاوفها كان نقل العدوى إلى والدتها المصابة بمرض مزمن، بالإضافة إلى أحد أفراد أسرتها الذي قد ينقل بدوره الفيروس إلى آخرين.

وتخبر الجميعي: "قبل إصابتي، كنت أعمد إلى غسل ملابسي بمعزل عن ملابس بقيّة أفراد الأسرة وأعقّم غرفتي وأتّبع توصيات صارمة للوقاية. وصرت أكثر صرامة في ما يتعلق بالتدابير الوقائية بمجرّد تواصلي مع رئيسي في العمل وتأكّد إصابتي". بالتالي، أمضت الجميعي 20 يوماً معزولة في غرفتها، أمّا بقيّة أفراد الأسرة فقد أمضوا 14 يوماً في غرفهم إلى حين التأكد من أنّ تحاليلهم سالبة. وكانت والدتها هي التي تسهر على رعايتهم جميعاً، فتضع الطعام أمام أبواب غرفهم وتهتمّ بمختلف أمورهم بعدما ترتدي ملابس واقية خاصة.

وتؤكد الجميعي أنّ "نجاحي في عدم نقل العدوى إلى أسرتي والمحيطين بي يعود إلى تطبيقي الصارم لشروط الوقاية. فأنا كنت أعقّم أواني الطعام وأضع الفضلات في أكياس محكمة الإغلاق. أمّا الملابس فأبقيها في الشمس ثمّ أغسلها وأعمد إلى تهوئة الغرفة باستمرار". وفي ما يتعلّق بالتواصل بينها وبين بقية أفراد الأسرة، خصوصاً شقيقَيها، فكان عبر الهواتف الجوّالة. وتقول: "من خلالها كنّا نتبادل الأخبار ونتناقش"، مؤكدة أنّه "من الصعب على عائلة واحدة ألا يلتقي أفرادها ويتحادثون مباشرة. لكنّ وسائل التواصل الحديثة خفّفت من حدّة العزلة".

وتقرّ الجميعي بأنّ "التجربة مرهقة، خصوصاً من الناحية النفسية، فلا أحد يستطيع التكهّن بمدى تفاقم إصابته"، مشيرة إلى أنّ "مخاوف كثيرة من أن أموت فجأة انتابتني في بعض الأحيان". تتابع: "ليس سهلاً أن تكون طبيباً وتدرك طبيعة الفيروس والمضاعفات التي قد تحدث"، علماً أنّ حالتها بقيت مستقرّة من دون مضاعفات تذكر ومن دون اضطرارها إلى أدوية.

وتكمل الجميعي أنّها تلقّت "دعماً من العائلة والأقرباء بحكم سكن الجميع في الحيّ نفسه. فقد عمل أفراد العائلة الممتدة على تزويدنا بالمواد الغذائية ومستلزمات التنظيف التي يضعونها أمام باب المنزل. كذلك، كان عدد كبير من الجيران متفهماً، لكنّ ثمّة أشخاصاً راحوا يتجنّبون المرور من أمام منزلنا".



على الرغم ممّا عاشته، فإنّ الجميعي أصرّت على العودة إلى عملها مجدداً، مباشرة بعد تعافيها، للتعامل من جديد مع المصابين بفيروس كورونا وتقديم الخدمات اللازمة لهم، "فواجبي يحتّم عليها أداء مهمّتي". وتشدّد على "ضرورة أن يحمي المصابون عائلاتهم وتجنيب المحيطين بهم العدوى. فهزيمة كورونا تكون بوضع حدّ للعدوى، وهذا أمر ممكن إذا تقيّد الجميع بالإجراءات المطلوبة ولو تطلّب ذلك بعض التضحيات. كذلك، لا بدّ من المحافظة على الروح الإيجابية لأنّ المعنويات العالية مهمّة جداً في مواجهة كورونا".
تعليق: