منجز "العدالة والتنمية" المغربي ومفاجأته الانتخابية

منجز "العدالة والتنمية" المغربي ومفاجأته الانتخابية

09 سبتمبر 2015
الصورة

بنكيران يدلي بصوته في الرباط (4 سبتمبر/2015/أ.ف.ب)

+ الخط -
فاجأت النتائج التي أحرزها حزب العدالة والتنمية الإسلامي، في الانتخابات المحلية التي شهدها المغرب يوم 4 سبتمبر/أيلول الجاري، مراقبين كثيرين. فقد نجح الحزب في مضاعفة عدد الأصوات التي حصل عليها في آخر انتخابات محلية شهدها المغرب عام 2009، إذ فاق عدد الأصوات التي ساندته مليونا ونصف مليون صوت، وهو عدد فاق عدد التي حصل عليها الحزب في الانتخابات التشريعية التي أجريت في عام ثورات "الربيع العربي" سنة 2011، ومكّنته من قيادة الحكومة في بلاده. 

لكن الانتصار الكبير لهذا الحزب في هذه الانتخابات يتمثل في حصوله على أكبر عدد من المقاعد المتنافس عليها في المناطق الحضرية، أي داخل المدن الكبرى، عكس ما دأبت الأحزاب الإسلامية عليه، والتي غالبا ما كانت تُربط أصواتها بالعالم القروي، حيث توجد الأوساط المحافظة والمعوزة التي عادة ما يغريها خطاب الإسلاميين.
ومن شأن هذه النتائج أن تقود أول مرة حزباً إسلامياً إلى قيادة كبريات المدن المغربية، حيث بات مرجحاً أن يترأس "العدالة والتنمية" عموديات مدن كبيرة، مثل الرباط العاصمة الإدارية، والدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة، وفاس العاصمة العلمية، ومراكش وأكادير وطنجة، وكلها تشكل مدن أقطاب سياحية كبيرة في جهات المغرب الأربع.
عنصر المفاجأة في كل هذه النتائج التي لم تكن متوقعة أن أحداً لم يكن بتنبأ بها، ربما، باستثناء رئيس الحزب ورئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، الذي كان متفائلا في كل تصريحاته، قبل الحملة الانتخابية وإبانها، كما أن عنصر المفاجأة يكمن في أن هذه النتائج تحققت في سياقات صعبة، نلخصها في أربع نقاط.
الأولى، جرت هذه الانتخابات في سياق يطبعه التحكّم، فعلى الرغم من أن المغرب شهد حراكا شعبيا عام 2011، بتأثير من رياح "الربيع العربي"، رفع شعار "إسقاط الفساد والاستبداد"، إلا أن هاتين المنظومتين ظلتا قائمتين، على الرغم من تغييرات شكلية شهدتها بعض النصوص، وفي مقدمتها الدستور. فالسلطة مازالت ممركزة في المغرب في الدوائر المرتبطة بالقصر، والتي لا تنظر بعين الرضى لقيادة الإسلاميين الحكومة.

ثانيا، شكلت هذه الانتخابات أول اختبار حقيقي لإسلاميي المغرب، منذ وصولهم إلى قيادة الحكومة في المغرب، وتم تأخيرها أربع سنوات، من أجل إضعاف الحزب الإسلامي في السلطة، على اعتبار أن السلطة تستنزف صاحبها. وطوال السنوات الأربع الماضية، اضطر "العدالة والتنمية" إلى اتخاذ قرارات غير شعبية، تمثلت في زيادة أسعار المحروقات، ورفع الدعم الذي كانت تقدمه الدولة لأسعار المواد الأساسية. كما أجبر رئيس الحكومة، في أكثر من مناسبة، على تقديم تنازلات للقصر في مجال الاختصاصات المتداخلة بين رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة التي يمثلها الملك، حسب الدستور المغربي، وتعرضت مشاريع إصلاحية للحزب لعراقيل كثيرة من "لوبيات" لا تريد التغيير، تكون مدعومة، أحياناً من السلطة.
ثالثا، مثل جميع الدول العربية التي شهدت ثورات مضادة لثورات شعوبها، وعلى الرغم من أن المغرب لم يشهد ثورة، وإنما عرف حراكا شعبيا، فقد كان أكبر سلاح لمواجهة إسلاميي المغرب في الحكومة هو الإعلام العمومي الذي ظل محتكرا من السلطة، والإعلام الخاص الذي تتحكم فيه "لوبيات" المصالح. وطوال السنوات الأربع الماضية، تم تسخير هذين الإعلاميْن للنيل من التجربة الحكومية الإسلامية، وإضعافها وتشويهها أمام الرأي العام. وفي المقابل، كان هناك ضعف واضح للإسلاميين في الدفاع عن مشاريعهم وتسويق إنجازاتهم ومواجهة خصومهم على الجبهة الإعلامية.
رابعا، يأتي الانتصار المبهر لإسلاميي المغرب في سياق إقليمي، يطبعه التراجع الكبير لـ"الإسلام السياسي" في المحيط الإقليمي العربي، بسبب الثورات المضادة التي أجهضت تجاربه في مصر وتونس وليبيا واليمن، وشوّهت الثورات التي اتخذت لبوساً إسلامياً في سورية وباقي الدول العربية التي شهدت ثورات شعوبها ضد أنظمتها الاستبدادية. كما أن انتصار إسلاميي المغرب يأتي في وقت يتراجع فيه النموذج التركي الأردوغاني الذي ظل، سنواتٍ، يجسد المثال الذي تسعى تيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية إلى تقليده، وهو ما ينبئ بميلاد نموذج إسلام سياسي عربي في المغرب، طابعه الاعتدال والبراغماتية السياسية.
وإذا كان حزب العدالة والتنمية قد نجح في الانتخابات الأخيرة، فإن نجاحه يُقاس بأمرين مهمين. أولا، نجح الحزب في اختراق الطبقة الوسطى التي تقطن المدن، فعلى الرغم من أن أغلب فئات هذه الطبقة لا تشارك الحزب الإسلامي تصوره المجتمعي، إلا أنها أصبحت ترى فيه بديلاً، وذلك لنزاهة اليد ولمواجهة الفساد. ثانياً، وهذا هو الأهم، أن خطاب الأمين العام للحزب الذي ركّز عليه طوال الحملة الانتخابية على مهاجمة مراكز نفوذ السلطة، سيساهم في زحزحة هاجس الخوف الذي بدأ يعود ليتحكم في السيطرة على عقول الناس، بعد أن أزاحته ثورات "الربيع العربي". ولو لم ينجح "العدالة والتنمية" سوى في هذه النقطة، لكتبت له بماء الذهب في ميزان أعظم إنجازاته التي قد يتجاوز أثرها حدود المغرب، لينعش ما بقي من آمال في التغيير على امتداد خارطة عالم عربي يعيش كوابيس، من شأن الحلم المغربي أن يوقظها منها.