منتدى دافوس ينطلق غداً: هيمنة للنزاعات التجارية والسياسية وعين على قضايا البيئة

20 يناير 2020
الصورة
التحضيرات اكتملت لاستضافة أعمال المنتدى (فرانس برس)
+ الخط -
من المخاوف الجيوسياسية المتزايدة، إلى النزاعات التجارية ومباعث القلق البيئية من تغيّر المناخ الذي تتسبب به أساساً الدول الصناعية، كلها عناوين تشكل جوهر مباحثات منتدى دافوس الذي يبدأ أعماله رسمياً غداً، بغياب إيراني وحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويخشى مراقبون أن يشكل المنتدى الاقتصادي العالمي، مجددا، ساحة لإبراز الخلافات بين الشرق والغرب، وبين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبين رجال الأعمال والناشطين الساعين إلى التصدي للمخاطر الداهمة التي تحدق بالعالم مع مطلع العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين.

لكن منظّمي الحدث الذي يعود إلى نحو نصف قرن، وتحديدا إلى عام 1971، قبل اختراع الهاتف المحمول، وقبل أن يتحول التغيّر المناخي إلى ملف يثير قلقا دوليا، وفي أوج الحرب الباردة، يسعون إلى التصدي للقضايا العالمية بقائمة طويلة ومتنوعة من المشاركين.

وعلى الأرجح سيستقطب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجزء الأكبر من الأضواء، علما أن الناشطة السويدية من أجل المناخ غريتا تونبرغ ستحضر المنتدى للعام الثاني، وهي التي رمقت ترامب المشكك في التغيّر المناخي بنظرة غاضبة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأصبحت رمزا للاحتجاج على عدم التحرّك الفاعل من أجل التصدّي لهذه الظاهرة.
وستشدد تونبرغ على مدى "جنونية" مواصلة الاستثمار في الوقود الأحفوري، في وقت تسلّط الكوارث الكبرى التي يشهدها العالم، على غرار الحرائق في أستراليا، الضوء على التداعيات السلبية لارتفاع درجات الحرارة.

كذلك سيطغى على المنتدى خطر اندلاع نزاع بين الولايات المتحدة وإيران، مع تصاعد التوتر إثر الضربة الأميركية التي قُتل فيها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الفريق قاسم سليماني، كما إسقاط الجمهورية الإسلامية، بصاروخ اُطلق عن طريق الخطأ، طائرة ركاب أوكرانية ومقتل 176 شخصا كانوا يستقلونها.

وألغى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مشاركته التي كانت مقررة، ومعها احتمال حصول أي مواجهة، أو حتى لقاء، مع الرئيس الأميركي.

لا أساس صلبا

ومع ترؤس نائب رئيس الوزراء الصيني هان جينغ وفد بلاده إلى المنتدى، ستُسلّط الأضواء على النزاع التجاري القائم بين بكين وواشنطن، على الرغم من التوصل الأسبوع الماضي إلى اتفاق هدنة بعد عامين من التوتر.

وستكون وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، أورسولا فان دير لايين، والمستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، أبرز شخصيتين من الاتحاد الأوروبي تشاركان في المنتدى، وقد تبرز مشاركتهما الخلافات القائمة بين أوروبا والولايات المتحدة حول ملفات أساسية.
ونقلت "فرانس برس" عن مدير الأبحاث في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، جيريمي شابيرو، قوله: "في ملف التغير المناخي والنزاعات الدولية على غرار النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، هناك خلاف بين القادة الأميركيين والأوروبيين لا يقتصر على (طريقة) الحل بل حتى على طبيعة المشكلة".

ويقول إنه في حين يعتبر قادة الاتحاد الأوروبي التغيّر المناخي "تحديا وجوديا"، يعتبره ترامب "خدعة صينية".

ويسود خلاف بين الجانبين في الموقف من قضية الاتفاق النووي المبرم بين الدول الكبرى وإيران في عام 2015، والذي كان يفترض أن ينزع فتيل اندلاع نزاع مع طهران.

ويشدد شابيرو على عدم وجود "أي أساس صلب يمكن أن تبنى عليه الحلول للمشاكل العالمية".

انعدام الاستقرار الاقتصادي

ويشير "المنتدى الاقتصادي العالمي" في تقريره الصادر مؤخرا إلى مجموعة تحديات تواجه البشرية، ولا سيما انعدام الاستقرار الاقتصادي، والتغيّر المناخي، وانعدام المساواة في الوصول إلى الإنترنت والضغوط التي تواجهها أنظمة الرعاية الصحية.

ويتطرق التقرير إلى الحرائق التي اجتاحت أستراليا واستقطبت اهتماما دوليا، معتبرا أن "التغيّر المناخي يضرب بشكل أقوى وأسرع مما توقّع كثر"، وسط توقعات بارتفاع الحرارة ثلاث درجات على الأقل في نهاية القرن الحالي.

ويتناول التقرير أنظمة الرعاية الصحية، محذرا من أنها قد تكون غير قادرة على تحقيق أهدافها، مع حلول الأمراض القلبية والعقلية محل الأمراض المعدية كأكبر مسبب للوفيات.
كذلك يواجه العالم مخاطر تنامي انعدام الثقة باللقاحات، وتزايد مقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية وغيرها من الأدوية.

وجاء في التقرير أن "العالم لا يمكنه أن ينتظر انجلاء الضبابية الجيوسياسية والجيواقتصادية".

ويشير التقرير إلى أن "اتخاذ خيار اجتياز المرحلة الحالية، على أمل عودة النظام العالمي، ينطوي على مخاطر تفويت فرص هامة لمعالجة التحديات الضاغطة".

ويتزامن حضور ترامب المنتدى الثلاثاء والأربعاء، بعد مشاركة أولى له عام 2018، مع بدء محاكمته في مجلس الشيوخ الأميركي بتهمتين وجّههما إليه مجلس النواب الذي أوصى بعزله.

ومن المقرر أن تبدأ المحاكمة في مجلس الشيوخ في 21 يناير/ كانون الثاني.

والثلاثاء، أعلن ترامب أن كلمته في المنتدى ستركّز على الإشادة بالأداء "الأروع" على الإطلاق للاقتصاد الأميركي.

وتوقّع الدبلوماسي السابق ونائب رئيس مركز "آي.إتش.أس ماركيت"، كارلوس باسكوال، لوكالة "فرانس برس"، أن يوجّه ترامب "رسالة إلى الشعب الأميركي وليس للمجتمع الدولي".

وأضاف باسكوال أن "الهدف من تلك الرسالة سيكون إعادة التأكيد للناخبين الأميركيين أن هاجسه الأول في السياسة الدولية هو: أميركا أولا".

منتدى للأثرياء؟


سعى منتدى دافوس بعد 50 عاما على تأسيسه إلى إعادة ابتكار دوره والتحول من مجرد ملتقى لكبار العالم واستعراض للعولمة، إلى مركز لطرح اقتراحات حول مستقبل الكوكب، رغم الشكوك المحيطة بإمكانية تحقيق ذلك.

ويريد منظمو "المنتدى الاقتصادي العالمي" محو صورة "منتدى للأثرياء" الملازمة لهذا الحدث الذي يجمع، في يناير/ كانون الثاني من كل عام، أصحاب المال والسلطة في منتجع تزلج في شرق سويسرا.
ومع انعقاد منتدى دافوس الخمسين الذي يفتتح رسميا صباح الثلاثاء، دُعي ناشطون شباب مثل غريتا تونبرغ وأحد مؤسّسي حركة "أوكيوباي وول ستريت" (احتلال وول ستريت) ميكا وايت.

وأوضح الناشط الأميركي على الإنترنت أن مشاركته "ستكون على الأرجح بمثابة انتحار على مستوى سمعته"، لكنه يدعو رغم ذلك إلى "تحالف صعب" بين الناشطين والنخب.

وبعد انقضاء نصف قرن على أول "ندوة أوروبية للإدارة" نظمها الخبير الاقتصادي الألماني كلاوس شواب، ارتفع عدد سكان العالم من 3.7 مليارات نسمة إلى 7.7 مليارات، يستخدم أكثر من نصفهم الإنترنت.

كما أن حرارة الأرض ترتفع، وحصة الصين في إجمالي الناتج القومي العالمي ازدادت بما لا يقل عن 5 مرات، والحرب الباردة انتهت من دون أن يبرز نظام عالمي جديد. ولخص المؤرخ بيار غروسر الوضع بالقول: "اعتبارا من 1989، صرنا عاجزين عن توصيف عالم المستقبل".

وبات المنتدى الدولي "أشبه بمواعدة سريعة" بين مسؤولين سياسيين واقتصاديين، حسبما اعتبر المفوض الأوروبي السابق الفرنسي بيار موسكوفيسي في تصريح لوكالة "فرانس برس".

أرباب عمل وأمراء ورؤساء

ويستقبل شواب (81 عاما)، الأسبوع المقبل، الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورؤساء شركات كبرى مثل "مايكروسوفت" و"غوغل" و"توتال" و"بلاك روك".

ويدفع أقطاب الاقتصاد ما بين 55 و550 ألف يورو ليكونوا أعضاء أو شركاء لـ"المنتدى الاقتصادي العالمي" الذي تديره منظمة قانونية خاصة سويسرية، ما يمنحهم الحق في الحضور إلى دافوس، ما لم يتلقوا دعوة خاصة من المنظمين.
ومرّ على دافوس شخصيات مثل نيلسون مانديلا وشيمون بيريز وياسر عرفات وبيل كلينتون وغيرهم من رؤساء وأمراء ورجال دين كبار، فضلا عن نجوم مثل شارون ستون التي جمعت عام 2005 حوالى مليون دولار في بضع دقائق من أجل قضية إنسانية.

لكن الملتقى يبقى ذكوريا بشكل طاغ رغم مشاركة نساء مثل رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، و"رجل دافوس" النموذجي يبقى صاحب شركة كبرى يُسقط الرسميات لبضعة أيام ليناقش، بين موعدين مهمين، مواضيع مثل "الاستدامة" و"التمكين" وغيرها من المفاهيم الإيجابية والمبهمة التي تلقى أصداء إيجابية في دافوس.

كارلوس غصن

كان كارلوس غصن مواظبا على حضور منتدى دافوس، حتى توقيفه في اليابان ثم فراره من هذا البلد إلى لبنان للإفلات من محاكمته بتهم مخالفات مالية.

صحيح أنه لا يمكن اعتبار سقوط الرئيس السابق لتحالف "رينو- نيسان" نذير شؤم لهذا الحدث العالمي، لكن الحقيقة أن مسألة جدوى المؤتمر تُطرح كل سنة.

ودعت مؤسسة "بيمكو" العالمية للاستثمار إلى "إعادة صوغ مفهوم" دافوس، حتى لا يعود كبار العالم يشاركون فيه لمجرّد "الظهور في الأضواء" بل لمناقشة مواضيع جوهرية.
وقام كلاوس شواب الذي يقر جميع المواظبين على المنتدى بامتلاكه شبكة علاقات واسعة وقدرة هائلة على استخدامها، منذ بضع سنوات، بإدراج المناخ والتباين الاجتماعي على جدول أعمال دافوس، داعيا إلى المنتدى ناشطين ومنظمات غير حكومية، في مسعى "صادق" لجعل النقاشات أكثر ثراء.

وفيما يخيم الغموض حول خلافته، يعمل شواب على جعل منتداه مركز خبرات لا يمكن الاستغناء عنه، وباشر توسيعه لتأسيس منتديات مماثلة له في قارات أخرى.

غير أن الشعار الرسمي لمنتدى دافوس المنادي بـ"تحسين العالم" ما زال يلقى تنديدا بين رواد حركة العولمة البديلة، الذين أسسوا، في بورتو أليغري عام 2001، "منتدى دافوس مضادا" هو المنتدى الاجتماعي العالمي الذي يسجل منذ ذلك الحين تراجعا.

"سيرك كبير"؟

يقول الناشط الفرنسي من منظمة "أتاك" غير الحكومية: "إن ذهبت إلى دافوس، فسأكون خلف طوق الشرطة" للتظاهر وليس كمدعو إلى هذا "السيرك الكبير"، معتبرا أن التبدل في رؤية دافوس "لا يترجم إطلاقا على صعيد تغيير السلوك".

واتخدت المديرة التنفيذية السابقة لمنظمة "أوكسفام" غير الحكومية، ويني بيانييما، التي تمثل اليوم "برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز" (يو.إن آيدز)، خيارا آخر، إذ تعرض كل سنة تقريرا حول التباينات الاجتماعية يلقى ترقبا كبيرا.

وحضرت الأوغندية بيانييما لأول مرة إلى دافوس في 1996، وهي تصف "ذهولها" إذ رأت حينذاك "صالات مليئة برجال بيض متوسطي العمر"، مضيفة: "تغير الأمر إلى حد معين" لكن هذا الحد غير كاف برأيها.
وقالت لوكالة "فرانس برس": "هذا هو بالضبط المكان الذي ينبغي التوجه إليه لمواجهة النخب العالمية" موضحة "تغيير القلوب لم يكن يوما ما أعمل من أجله، لكن مهمتي كناشطة هي أن أطالب بالسلطة من أجل الذين لا يملكون أيا منها. لست ساذجة ولا متشائمة".

وأعطى الكاتب الفرنسي إيمانويل كارير وصفا في غاية الدقة لهذا التناوب المدهش لمعارضي الليبرالية لتقديم مداخلات أمام نخب الرأسمالية.

وروى في نص يمزج الصراحة بالسخرية، نشر عام 2016، أربعة أيام قضاها وسط كبار النافذين، فكتب "من نقاط قوة المنتدى، وأكتب هذا من دون تهكم، هي رغبته في الاستماع إلى خصومه ومنحهم مساحة والتفكير معهم. المشكلة أنه بذلك يعتبر أنه ليس لديه خصوم، أو أن الخصوم هم شركاء لا يدركون الشراكة بينهم".

غياب وزير خارجية إيران

ومن طهران، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية، عباس موسوي، اليوم الاثنين، إن وزير الخارجية محمد جواد ظريف لن يحضر المنتدى لأن المنظمين "غيروا جدول أعماله فجأة ولم يكن الجدول الذي وافقنا عليه".

كانت رويترز قد ذكرت في تقرير، الأسبوع الماضي، أن ظريف لم يعد على قائمة تضم نحو 3 آلاف شخص، من المقرر أن يشاركوا في المنتدى السنوي الذي يعقد تحت شعار "مساهمون من أجل عالم مستدام ومتماسك".

اجتماع أميركي - أوروبي

وتوقعت 3 مصادر لرويترز أن يجتمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في دافوس، مع تزايد التوتر بين الحليفين بسبب تهديدات بفرض تعرفات جمركية.

وبعد أيام قليلة من تحقيق ترامب مكاسب ضخمة بإبرامه اتفاقا تجاريا جزئيا مع الصين، وإقراره اتفاقا معدلا للتجارة الحرة في أميركا الشمالية، من المتوقع أن يناقش الرئيس الأميركي النزاعات التجارية المتصاعدة مع رئيسة المفوضية الأوروبية.

ومن بين النزاعات التجارية بين الحليفين، مخاوف واشنطن من خطة فرنسا لفرض ضريبة خدمات رقمية بنسبة 3%، تعتقد الحكومة الأميركية أنها ستضر بعمالقة التكنولوجيا الأميركيين مثل غوغل وأمازون، وتتجه بعض الدول الأخرى للسير على نهجها.

وردا على ذلك، هدد الممثل التجاري الأميركي، الشهر الماضي، بفرض رسوم نسبتها 100% على منتجات فرنسية مثل الشامبانيا وحقائب اليد والجبن وسلع وخدمات أُخرى.

وقال مسؤول أوروبي: "لم يتحقق أي تقدم" رغم محادثات متكررة بين وزير المالية الفرنسي برونو لو مير، ووزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين والمفاوض التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر.

ومن المرجح أن يأتي الملف الإيراني أيضا ضمن أولويات جدول الأعمال، بعدما فعّلت بريطانيا وفرنسا وألمانيا آلية لفض النزاعات في الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 مع طهران، بعد قرار إيران تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق.

المساهمون