منتدى الشباب دعاية لشرعنة النظام المصري

11 نوفمبر 2017
الصورة
انطلق منتدى شباب العالم من شرم الشيخ، بصورة قصد فيها الإبهار، بداية من مرحلة الدعاية المكثفة التي قامت بها شركاتٌ ضخمة، وصولا إلى المكان الذي بني خصيصا للمؤتمر، وأخذ شكل قبة مطلةٍ على ساحل البحر، تستوعب ما يزيد عن ثلاثة آلاف مشارك، أضف إلى ذلك التغطية الواسعة لفاعليات المنتدى من وسائل الإعلام الرسمية أو القنوات الخاصة. كل ما سبق قصد به رسم صورة مبهرة أمام الشاشات والوفود الدولية المشاركة من 52 دولة، وقد هدفت هذه الصورة إلى طمس ما دونها من صور.
مثّل المنتدى، في صورته النهائية، دعاية غالية التكاليف، لإزالة ما لحق بالنظام من انتقادات، ولا تختلف تلك الدعاية عما سبقها من دعايةٍ، صاحبت المؤتمرات الشبابية الخمسة السابقة، إلا في مقصدها الذي تحول من الدعاية المحلية إلى الدعاية على مستوى دولي، وهذا الهدف نقلة ضرورية في مسار دعاية النظام الذي تعرّض لانتقادات دولية عديدة، خصوصا فيما يتعلق بملفات حرية الرأي والتنظيم والانتهاكات التي لحقت بهما.
الدعاية هي الهدف الرئيسي للمنتدى، وهو الأمر الذي كشف عنه مجمل خطاب رموز السلطة، بداية من الإعلاميين والوزراء، وصولا إلى خطاب رئيس الجمهورية، فلا أحد يصدق ما أعلن 
من قبل عن هدف المؤتمر، سواء من المنظّمين أو المشاركين الذين اجتهدوا في تفسير هدف المؤتمر. قال المنظمون إن هدفهم إثبات قدرة الشباب المصري على إقامة منتدى دولي، وكذلك تدريب الشباب على مهارات القيادة، كما أن أغلب المصريين لا يصدّقون أحد أبرز شعارات المنتدى "نحتاج أن نتحدّث"، لإدراكهم أنه لا مساحات ممكنة يوفرها، يسمح بها النظام للحوار معه، أو للحوار بين المصريين فيما بينهم، ولا حتى النظام يترك مساحات للحوار، مع حواريه، ولا يستقبل، بطبيعة الحال، النصائح منهم، وهذا ما يفسر ما يوجه كتّاب الصحف من النصائح ورسائل الاستجداء، لكي يسمعهم النظام.
ولا حاجة، بالطبع، للتأكيد على ممارسات النظام في مصر الذي ينكّل بالمعارضين، أين كانوا توجّه لهم، فلم يعد التهديد والتشويه والسجن قاصرا على لون واحد من المعارضين. وفي الحقيقة، لم تفرق النظم السلطوية في ممارستها الاستبدادية بين الأطياف السياسية، وهذا بديهي، لكن الرعونة السياسية لدى بعضهم تجعلهم يغضون البصر عن قمع السلطة، بل نجد من يرحب بقمع الآخر انتظارا لإثبات ذاته ووجوده السياسي، حتى يتبين عكس ذلك عمليا، حين يصل القمع إليهم، فيكتشفون أن الاستبداد لا يفرق بين لون وآخر، فعلى سبيل المثال حظر الحق في التعبير والتنظيم لا يستهدف فئة دون أخرى، فها هي الأحزاب وقادتها محاصرون، بل عاد بعضهم يتحدث في أمور السياسة بالرموز، خوفا من نظام أيدوه من قبل، فضلا عمّن احتجبوا من المشهد وأعلنوا اعتزالهم، لا يقتصر مسدس كاتم الصوت على السياسيين والنقابيين ومنظمات المجتمع المدني، بل يطاول أيضا تكتلات سياسية يخشى النظام أن تمارس تهديدا لمساحات نفوذه، على الرغم من أنها تتبنّى سياساته نفسها، الأمر الذي يجعله يوجه لها تهديدات صريحة، ناهيك عن تعميم القمع سياسة سلطوية، تقهر أنفس المواطنين بعصا الأمن والقهر الاجتماعي، لتعلن انتهاء فسحة الحريات وأحلام البحث عن وطن عادل وإحساس المصريين بكرامتهم بعد ثورة يناير.
فرضت الطبيعة الدعائية للمنتدى الدولي للشباب خطابا محدّد الأركان، ركز على تبرير الإخفاقات وتعظيم المخاطر، وتهديد الأصوات المعارضة، وإرهاب المجتمع أحيانا، ولومه أحيانا أخرى. وكشف هذا الخطاب عن المتناقضات بين صورة النظام الواقعية محليا وما يريد تسويقه دوليا.
محليا، يمثل النظام منتجا رديئا، يمثل مصالح مجموعات محدودة، تحرسها أجهزة قمعية. وزاد هذا التحالف من قسوة الواقع المعاش اقتصاديا وسياسيا. ومع هذه التغيرات، لم تعد أجهزة تزييف الوعي قادرة على التأثير على الرأي العام، بينما يحاول النظام، من خلال المنتدى، رسم صورة مغايرة، يحتل فيها صورة النظام البطل المشهد، فهو منقذ العالم من موجات العنف الذي تُحدثه التيارات الإرهابية، أو بحد وصف السيسى "نواجه الإرهاب نيابة عن العالم".
وتتكرر في المنتدى خطاباتٌ تدعو إلى التسامح وقبول الآخر، بينما يرفض النظام ليس وجهات 
نظر من يعارضونه، بل حتى نصائح مؤيدة. وتتناقض الدعوة إلى الحوار والتعايش والمساواة والتسامح التي صدّرها المنتدى مع الممارسات العنيفة ضد فئات عديدة في المجتمع، فالنظام الذي يريد أن يتحاور بشأن إشكالية أو ظاهرة أو حق ما لا يمارس العنف، لأن العنف يحمل معنى الإذعان. تأمل واقعة القبض على أربعين شابا من النوبة، لأنهم قرّروا الاحتفال بالعيد في أسوان، وغنوا للنوبة، وطالبوا بتطبيق الدستور الذي نص على تنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية للمناطق الحدودية، ومنها مناطق النوبة. تأمل المشهد، وفكر هل هذه طريقة للحوار والتعايش وقبول الآخر، وهل تعلم أن أحدهم (جمال سرور) توفي قبل أيام بالسجن، بفعل الإهمال الطبي.
يحدّثونا في المنتدى عن تشجيع المبادرات الشبابية لخدمة المجتمع، ويدعون إلى تبادل الخبرات في هذا الشأن، بينما قضى الشاب مصطفى سباق ابن مدينة القصير ثلاثة أشهر في السجن بتهمة نشر الشائعات، وهو المبادر الذي تطوع في المجال الاجتماعي منذ عشر سنوات، وراح يلون الشوارع، ويرمم بقدر ما يستطيع جدرانها. مصطفى وأصدقاؤه شباب مبادرون، تحرّكوا لمطالبه الدولة بمحاصرة مرض حمّى الضنك، خوفا من تحولها إلى وباء في مدينتهم التابعة لمحافظة البحر الأحمر، لكنه، هو وآخرون مثله، حين يتحرّكون يكشفون عجز الحكومة، وإهمالها المواطنين.
تناقض آخر يمكنك تلمسه في خطاب السلطة في منتدى الشباب الدولي، فالنظام الذي يتحدث عن أهمية العلم، وبنك المعرفة الذي أنشأه، هو نفسه الذي سبق أن أغلق مبادرة المكتبات الشعبية، نكاية في صاحب الفكرة، الحقوقي جمال عيد. وأغلق مكتبة البلد عقابا للقيادي اليساري، فريد زهران. وأغلق مكتبات أخرى، بدعوى تمويل أصحابها الإرهاب. وهو النظام نفسه الذي أغلق المواقع الإخبارية، بدعوى دعمها الإرهاب، بينما في الحقيقة يريد السيطرة على كل منصات التعبير، ومن يخرج عن سيطرته يحجبه.
أمثلة عديدة للسيطرة ورفض الآخر ليس آخرها التضييق على المرشح المحتمل، خالد علي، والقبض على بعض مؤيديه، وإصدار أوامر للمطابع، بعدم التعامل معه، بل وتوجيه الصحف بتهميش أي أخبار تتعلق وترشحه، حتى أن أغلب الصحف تجاهلت خبر إعلان نيته في الترشح، وصدرت الصحف نفسها عناوينها الرئيسية لأخبار منتدى الشباب الذي يطالب بالحوار، وقبول الآخر.
إجمالا، يمكن القول إن تراجع تأييد النظام في مصر محليا، وزيادة الانتقادات الموجهة إليه خارجيا، كانا جزءا أساسيا لعقد هذا المؤتمر الذي يهدف إلى إنتاج خطابٍ يعيد شرعنة النظام، وتقديم مبرّرات وجوده فترة أطول، فهو المقاوم للإرهاب محليا وعالميا، وهو المصلح الاقتصادي الذي يعيد بناء الدولة. كانت الدعاية في منتدى الشباب العالمي هدفا وأداة، في الوقت نفسه، لإعادة شرعنة النظام، وتقديم نفسه محليا ودوليا، ونفي الآخرين، وتهديد المجتمع من أي صوت آخر، غير صوت النظام.