مناورة النظام والقوات الكردية في عفرين: تسلّم وتسليم شكلية

20 فبراير 2018
الصورة
لم تتوقف المعارك رغم حديث المفاوضات (دليل سليمان/فرانس برس)
+ الخط -

يلف الغموض تفاصيل المفاوضات بين النظام السوري والوحدات الكردية بشأن منطقة عفرين، خصوصاً بعد تضارب التصريحات الكردية بشأن التوصل إلى اتفاق نهائي على عكس إعلام النظام الذي بدأ بالترويج له منذ أمس، الإثنين، فضلاً عن نفي روسيا أي دور لها فيه وإبداء تشكك في صحته، وإن كانت مختلف التسريبات قد تقاطعت عند أن الاتفاق، متى ما أعلن رسمياً، وبحسب ما يتداول، سيتيح لـ"قوات شعبية" موالية للنظام الدخول إلى منطقة عفرين، شمال غربي سورية، التي بدأ الجيش التركي قبل شهر عملية عسكرية فيها من أجل طرد الوحدات الكردية منها، ومن غربي نهر الفرات.
وفيما لم تصدر بيانات رسمية تؤكد الاتفاق، نفى المتحدث باسم وحدات حماية الشعب الكردية، روجهات روج، لقناة "الجزيرة"، الخبر الذي نقلته وكالة أنباء النظام السوري "سانا" عن قرار دخول قوات "شعبية" إلى عفرين، وسط حديث لمسؤول كردي آخر لوكالة "رويترز" عن أن ضغوطاً خارجية قد تحول دون أن يمضي قدماً، من دون أن يقدم المزيد من التفسيرات حول الجهة التي تتولى الضغوط، وإن كانت الترجيحات تشير إلى واشنطن.
على الرغم من ذلك، تولى إعلام النظام الترويج للاتفاق بما في ذلك وكالة "سانا" التي أفاد مراسلها في حلب بأن "مجموعات من القوات الشعبية ستصل إلى منطقة عفرين لدعم صمود أهلها في مواجهة العدوان الذي تشنه قوات النظام التركي على المدينة وسكانها منذ الـ20 من الشهر الماضي"، على أن تدخل هذه القوات عبر طريق يمر من بلدتي نبل والزهراء الواقعتين إلى الجنوب الشرقي من منطقة عفرين.


أما تركيا، المعني الأول بما يجري في عفرين، فكان وزير خارجيتها، مولود جاووش أوغلو، يرسم من العاصمة الأردنية عمان، مسار التعاطي التركي مع هذا التطور، بتأكيده أن بلاده تدعم دخول قوات النظام إلى عفرين من أجل تطهيرها من الوحدات الكردية، قبل أن يضيف "لكن إذا كان دخولها لحماية هذا التنظيم، فلا أحد يستطيع وقف الجنود الأتراك". وتابع "إن هذا الأمر ينطبق على عفرين، ومنبج"، قبل أن يستكمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حسم الموقف التركي، في اتصال مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، أكد خلاله، بحسب ما نقل تلفزيون (سي.إن.إن ترك)، أن حكومة النظام السوري ستواجه عواقب إذا أبرمت اتفاقاً مع وحدات حماية الشعب الكردية ضد العملية العسكرية التركية، وأن الهجوم التركي سيستمر كما هو مخطط له، فيما كان لافتاً نفي نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، بعد الاتصال بوقت قصير، وبحسب ما نقل عنه موقع "روسيا اليوم" أي مشاركة لروسيا في المفاوضات بين النظام السوري والأكراد في عفرين. ولم يستبعد أن يتم بحث تحويل عفرين إلى منطقة خفض تصعيد إضافية، بحكم العلاقات التي تجمع روسيا مع النظام السوري والقوى الكردية فضلاً عن تركيا، على أن تكون مختلف المواضيع المتعلقة بالوضع السوري بما في ذلك وضع عفرين في صلب القمة التي ستستضيفها إسطنبول وتضم رؤساء روسيا وإيران وتركيا، والتي قال بوغدانوف إنها "ستكون مهمة للغاية وستساهم في تطبيق مخرجات مؤتمر سوتشي على الأرض".


لذلك، فإنه على الرغم من التحذيرات التركية، أمس، إلا أن الترجيحات تشير إلى أن الاتفاق، في حال تم المضي قدماً به، لن يؤدي إلى مواجهة بين القوات التركية والمليشيات التابعة للنظام. وبحسب ما كشفت "العربي الجديد" في وقت سابق، فإن الجيش التركي يفضل أن تعمل مليشيات الاتحاد الديمقراطي على تسليم عفرين للنظام السوري والانسحاب منها على الدخول في حرب شوارع قد تكون كلفتها عالية من الناحية العسكرية، وإن كان هذا الخيار لا يزال على الطاولة في حال عدم السير بالاتفاف أو تمسك المليشيات الكردية بالمقاومة.

كما يرجّح أن تتجه الأوضاع الميدانية نحو معادلة تثبيت الوضع القائم بما يتيح أن تحافظ القوات التركية على المناطق التي تقدمت إليها مع قوات "درع الفرات" خلال شهر من المعارك، وهو ما يفسر الاستراتيجية التي اعتمدتها تركيا والقائمة على السيطرة على شريط حدودي يمتد من منطقة درع الفرات مرورا ببلدة بلبل وصولاً إلى الحدود الغربية لعفرين والسيطرة على بلدة راجوو وجندريس والشيخ حديد وربطها بنقاط المراقبة التي أقامها الجيش التركي في جنوب عفرين في منطقة دارة عزة. وفي السياق، لوحظ تسارع وتيرة المعارك، خاصة على الحدود السورية التركية، إذ أكدت مصادر أن الجيش التركي سيطر على نحو 95 في المائة من الشريط الحدودي شمال عفرين، حيث وصل نقاط السيطرة بين جبلي برصايا وشنكال، ويعمل على السيطرة على الشريط الحدودي غربي المدينة، وذلك لمنع قوات النظام من الوصول إلى الحدود التركية. وأشارت مصادر تحدثت مع "العربي الجديد"، إلى أن أنقرة تريد شريطاً بعمق 10 كيلومترات داخل الأراضي السورية كي تضمن عدم تعرض أراضيها لقصف مدفعي.

تضارب وتفاصيل غامضة
وتضاربت تصريحات القياديين في الوحدات الكردية حول الاتفاق، حيث لم يصدر بيان رسمي يؤكده، فيما كان المتحدث باسم وحدات حماية الشعب الكردية، روجهات روج، الوحيد الذي نفى الاتفاق، واضعاً ما يجري في سياق المشاورات غير النهائية. إلا أن مصدراً مقرباً من حزب الاتحاد الديمقراطي أكد لـ"العربي الجديد"، أن "الاتفاق تم، وسينتشر جيش النظام في عفرين وريفها تباعاً"، مضيفاً: "أعتقد أن الاتفاق جاء ضمن تسوية كبرى".

ورفض المصدر الخوض في تفاصيل التسوية، إلا أنه من الواضح أن الوحدات الكردية اضطرت لتقديم تنازلات مؤلمة كي تتجنب السيناريو الأسوأ في عفرين وهو الهزيمة المؤكدة، حيث لا قدرة لها على مواجهة الجيش التركي المندفع بقوة لتقويض ما يراه خطراً على الأمن القومي التركي مهما كانت التضحيات. وفي السياق أكدت مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد"، أن القوات التي ستدخل عفرين، تتبع لجيش النظام، ولكن جرت الإشارة إلى كونها قوات شعبية لإسقاط حرج الوحدات الكردية أمام مواليها في الشارع السوري الكردي.

كما أشارت مصادر إعلامية في النظام إلى أن "القوات الشعبية" ستنتشر في 280 نقطة على طول الحدود السورية التركية، موضحة أن الانتشار سيتم على مدى عدة أيام. في موازاة ذلك، تداولت صحف تركية 5 نقاط قالت إن النظام والأكراد توافقوا عليها، وتتضمن:

- أن تسيطر قوات النظام السوري على كامل المباني العامة في عفرين، بما في ذلك المستشفيات والمدارس.
- أن يتولى النظام السيطرة على 52 نقطة أمنية.
- أن يجمع السلاح الثقيل والمتوسط من الوحدات الكردية، وهو الشرط الذي كانت مصادر قد أكدت عدم قبول الأكراد به حتى أول من أمس.
- فرض حظر تسليح على الوحدات الكردية والمواطنين في المنطقة.
- فرض الخدمة العسكرية الإلزامية في صفوف النظام.

في موازاة ذلك، أكد ناشطون سوريون أن الوحدات الكردية أرسلت، الاثنين، دفعة جديدة من متطوعيها من حي الشيخ مقصود الذي تسيطر عليه في مدينة حلب إلى مدينة عفرين، وهو ما يفتح باب التساؤلات عن مضمون الاتفاق مع النظام الذي استغل أزمة عفرين من أجل العودة إلى مناطق خرجت عن سيطرته منذ عدة سنوات، وهو ما قد يتسبب بأزمة إنسانية، حيث من المتوقع نزوح سكان من عفرين خوفاً من عمليات انتقام من قوات النظام ومليشيات إيرانية تساندها تتمركز في بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين، شمال مدينة حلب.

وبرأي نائب رئيس رابطة الأكراد السوريين المستقلين، رديف مصطفى، فإن حزب الاتحاد الديمقراطي "يبدي استعداده لإعادة تسليم الأمانة للنظام، والتي استلمها ببداية الثورة بهدف ضرب الثورة وتحييد المكون الكردي عنها، وقد نجح نسبياً في ذلك". وأضاف مصطفى، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "إصرار الاتحاد الديمقراطي على أنه جزء من العمال الكردستاني والاستمرار باستفزاز تركيا أدى إلى التدخل التركي بعفرين تنفيذا لاتفاق سابق وجديد بين الأميركيين". وأعرب مصطفى عن اعتقاده بأن قوات النظام لن تدخل إلى عفرين، لأن كلا الطرفين، النظام وحزب الاتحاد الديمقراطي، لا يملكان إرادة تنفيذ هكذا اتفاقات من دون توافق دولي، وتحديداً روسي وأميركي وتركي، مضيفاً: "لا أعتقد بأن النظام ومليشياته على استعداد للدخول مع تركيا بمواجهة عسكرية". وأشار إلى أن اتفاق عفرين يوضح مدى ارتباط قوات حزب الاتحاد مع النظام، مضيفاً أن الأخيرة "رفضت دخول البشمركة السوريين (قوات كردية تتبع للمجلس الوطني الكردي السوري تتمركز في شمال العراق)، وترفض دخول فصائل الجيش الحر، وترفض تسليم عفرين لأهلها تجنباً لكارثة الحرب".

وتعتبر المعارضة السورية الخاسر الأكبر من أي اتفاق في حال لم تستعد السيطرة على مدينة تل رفعت وقرى في محيطها التي كانت طردتها منها الوحدات الكردية في بداية عام 2016 بدعم من الطيران الروسي. كما أن مشروع الوحدات الكردية في إنشاء إقليم ذي صبغة كردية في شمال سورية تلقى ضربة ربما تؤدي إلى تقويضه نهائياً، إذ لم يعد أمامها إلا الانسحاب إلى شرقي الفرات، حيث تسيطر على نحو ربع مساحة سورية وتحظى بدعم أميركي واضح ومعلن تحت غطاء قوات "سورية الديمقراطية". وتسيطر الوحدات الكردية على عفرين وريفها الواسع، وعلى مدينة تل رفعت وقرى في محيطها شمال مدينة حلب، وعلى مدينة منبج والقسم الأكبر من ريفها، وكل هذه المناطق تقع غربي نهر الفرات، وهو ما يسبب قلقاً تركياً دائماً.

المساهمون