مناورات البشير

13 سبتمبر 2019
الصورة
في مشهدٍ لم يعد غريباً منذ ثورات الربيع العربي، وقف الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، في شهر أغسطس/آب الماضي، للمرة الأولى في قفص المحكمة، لمواجهة قائمة من الاتهامات، ترتبط بالفساد حصراً، وتشمل حيازة عملات أجنبية والرشوة وإساءة استخدام النفوذ. أما باقي الجرائم التي تورّط فيها، بما في ذلك قتله متظاهرين سلميين خرجوا اعتراضاً على الأوضاع الصعبة طوال الأشهر التي سبقت إطاحته فغائبة حتى اللحظة، على الرغم من أنه سبق للنائب العام السوداني أن أعلن، في مايو/أيار، عن توجيه التهمة للبشير مع آخرين بالتحريض على قتل المتظاهرين. كما استثنت قائمة الاتهامات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي الملاحق بها من المحكمة الجنائية الدولية. 
ما يجري مع البشير لا يفترض أن يفاجئ أحدا. صحيح أن محاكمته ليست الأولى لرئيس عربي أطيح من الحكم، على غرار ما حدث مع الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، إلا أن التجربة في السنوات الماضية أظهرت أن المحاكمات الشاملة لهؤلاء مستبعدة، ليس بسبب غياب الأدلة التي تدينهم، وتظهر كيف عاثوا خراباً وتدميراً في بلدانهم عقودا، بل بسبب انتفاء الإرادة الحقيقية في حدوث ذلك. من يتحكّم اليوم في الجزء الرئيسي من المشهد في السودان (الجناح العسكري في المجلس السيادي)، يريد البشير في أضعف حالاته، من دون أن يفقد القدرة على التحكّم به، لضمان ألا يُخرج كل ما في جعبته من أسرار سنوات الحكم. ويدرك البشير ذلك جيداً، وهو حتى اللحظة يطبق استراتيجية مزدوجة. في مواجهة تهم الفساد، لم ينكر، بحسب ما نشر من سجل التحقيقات معه، تلقي ملايين الدولارات من الإمارات والسعودية، لكنه من جهة ثانية أشرك كثيرين في الجرم.
طلبت هيئة الدفاع الخاصة به، في جلسة 7 سبتمبر/أيلول الحالي، شهادة كل من قوات الدعم السريع، فضلاً عن جهاز المخابرات وشرطة الجمارك وجامعة أفريقيا وبنك السودان ووزارة المالية، حتى أن مدير مكتبه، اللواء ياسر بشيري، في شهادته، فصّل كيفية توزيع الأموال، بما في ذلك حصول قوات الدعم على خمسة ملايين يورو، بحضور قائدها الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عضو المجلس السيادي الأوسع نفوذاً بين العسكر اليوم، والأكثر ارتباطاً بالمحور الإماراتي ــ السعودي الذي تلقّى منه الرئيس المخلوع الأموال. يدرك البشير أنه كلما ورّط شخصيات في السلطة في محاكمته، تحديداً دقلو الذي يتصادم طموحه بتوسيع نفوذه السياسي مع سجلّه الأسود، ضمن لنفسه حمايةً أكبر وأحكاماً مخففة، تماماً مثلما هو متيقّن من أن تسليمه للمحكمة الجنائية الدولية غير وارد، أو محاكمته جدياً على جرائم قتل المتظاهرين، لأن جزءاً من المتورّطين في إسالة الدماء لا يزالون في الحكم، وهم أنفسهم الذين خاضوا معارك مع المعارضة السودانية لمحاولة ضمان حصانة تقيهم مما قد تحمله المرحلة المقبلة من مفاجآت محتملة.
يستحق السودانيون رؤية البشير يخضع لمحاكمة شاملة وعادلة، لا سيما بعدما دفع المحتجون من دمائهم لكي تنجح الثورة، وبعدما أوصلوا المعارضة إلى أن تكون شريكة فعلية في الحكم. ولكن المؤشرات الحالية توحي بعكس ذلك، وتقترب من سيناريو محاكمة حسني مبارك الذي حوكم في أجواء هزلية، وقضى معظم فترة سجنه المفترضة في مستشفى خمس نجوم، قبل أن يستأنف حياته الطبيعية، بينما كان أول رئيس منتخب بعد الثورة، محمد مرسي، يحاكم زوراً، ويتعرّض لأبشع أنواع التنكيل، بما في ذلك حرمانه من الحق في العلاج، حتى توفي داخل المحكمة.
joumana farhat
جمانة فرحات